بين الحقيقة والوهم
فيفاء : أصداء المناطق
في أبيات مؤثرة ومليئة بالحكمة، يرسم الشاعر الكبير عيسى الفيفي لوحة صادقة لواقعنا المعاصر، حيث تسابقنا التكنولوجيا، ونلهث خلف التطبيقات والبرامج، وكأنها أصبحت نافذتنا الوحيدة على الحياة.
يقول الفيفي إن عقدين من الزمن انقضت كما يمر السحاب، تغيرت فيها وجوه الناس، وبدّلنا مشاعرنا الحقيقية برموز وأيقونات جامدة. أصبحنا ننتقل من “واتساب” إلى “سناب”، ومن “تويتر” إلى غيره، نغلق بابًا ونفتح آخر، حتى غدت حياتنا صخبًا متواصلاً لا يترك مجالًا للتأمل أو السكون.
ويشير الشاعر بصدق إلى أن هذا الانغماس في العوالم الافتراضية قد يجعلنا نعيش في وهم يشبه السراب، نُزينه بالفلاتر ونغرق في الهروج (الأحاديث) المصطنعة، بينما الواقع الحقيقي يبتعد عنا شيئًا فشيئًا. فإذا أثقلنا الضغط أو زارنا الاكتئاب، ألقينا اللوم على الناس والأيام، ونسينا أن البعد عن هدي الكتاب هو أصل كل ظلام واضطراب.
ومع ذلك، لا يرفض الفيفي التقنية في ذاتها، بل يعلن أنه ليس عدوًا للاكتساب ولا لوسائل التطور، وإنما عدو للزيف والخداع والسوق الذي يلهث وراء الوهم. فحين يصبح الحساب الافتراضي أهم من يوم الحساب الحقيقي، فهنا يكمن الخطر الأعظم الذي يحتاج إلى وقفة جادة مع النفس.
وفي ختام هذه الأبيات المضيئة، يرفع الشاعر نداءً خاشعًا:
“رحماك يا الله، يا رافع السماوات ذات البروج.”
إنها رسالة بليغة تضع بين أيدينا مرآة صافية لواقعنا، لعلنا نعيد النظر في أولوياتنا، فنوازن بين ما تمنحه التقنية من فرص، وما قد تسلبه من صدق، صلة، وطمأنينة .


تعليق واحد