اليمن منذ مئة عام.. قرنٌ من الصراعات وثمنٌ يدفعه الشعب
المقالات : يحيى الفيفي
شهد اليمن خلال القرن الماضي تحولات سياسية كبرى، من الإمامة والاستعمار، إلى الثورات والجمهوريات والوحدة، ثم الحروب الداخلية والتدخلات الإقليمية. وعلى الرغم من اختلاف الأنظمة والشعارات، ظل السؤال الأهم دون إجابة حاسمة: كيف تُبنى دولة تتسع لجميع أبنائها، وتحفظ حقوقهم بعيدًا عن منطق الغلبة والسلاح.
من الإمامة إلى الجمهوريتين
في عام 1918 انتهى الحكم العثماني في شمال اليمن، واستقرت الإمامة بقيادة الإمام يحيى حميد الدين. وفي عام 1948 قامت حركة دستورية انتهت باستعادة الإمامة سلطتها. ثم جاءت ثورة 26 سبتمبر 1962، فأطاحت بالإمامة وأعلنت الجمهورية، لتدخل البلاد حربًا أهلية بين الجمهوريين والملكيين حتى عام 1970، تداخلت فيها التدخلات الإقليمية، ولا سيما الدعم المصري للجمهوريين والدعم السعودي للملكيين.
وفي الجنوب، انتهى الاستعمار البريطاني عام 1967، وقامت دولة مستقلة تبنّت لاحقًا النظام الاشتراكي. لكنها عانت بدورها من صراعات داخلية دامية، أبرزها أحداث يناير 1986، التي كشفت أن الثورة والتحرر لا يضمنان الاستقرار ما لم تُبنَ مؤسسات قادرة على إدارة الخلافات.
الوحدة والحرب.. 1990–1994
في 22 مايو 1990 توحد الشمال والجنوب في دولة واحدة، بقيادة علي عبدالله صالح رئيسًا وعلي سالم البيض نائبًا له. غير أن الخلافات بشأن السلطة وتقاسم النفوذ وإدارة الدولة تصاعدت، حتى اندلعت حرب 1994 وانتهت بانتصار القوات الموالية لصالح.
تحققت الوحدة عسكريًا، لكن المظالم والشعور بالتهميش لدى قطاعات جنوبية استمرا، لتصبح القضية الجنوبية أحد الملفات التي لم تجد حلًا عادلًا وشاملًا حتى اليوم.
عهد صالح.. أزمات مؤجلة
حكم علي عبدالله صالح الشمال منذ 1978، ثم اليمن الموحد حتى 2012. واعتمد نظامه على شبكة من التحالفات القبلية والعسكرية والسياسية، لكنه واجه انتقادات واسعة بسبب الفساد وضعف الخدمات وتفاوت توزيع الموارد.
ومنذ عام 2004، خاضت الحكومة ست جولات من الحرب ضد الحوثيين في صعدة حتى 2010. وأسهمت هذه المواجهات في تعميق المظالم وتوسيع القدرات العسكرية للحوثيين، بينما ظلت مشكلات الدولة الأساسية دون معالجة جذرية.
ثورة 2011 وسقوط صنعاء
اندلعت الاحتجاجات الشعبية عام 2011 مطالبةً بالإصلاح والكرامة ومكافحة الفساد. وانتقلت السلطة إلى عبدربه منصور هادي عام 2012 ضمن المبادرة الخليجية، لكن المرحلة الانتقالية تعثرت بسبب استمرار مراكز النفوذ القديمة، والخلافات على شكل الدولة، وضعف مؤسسات الجيش والأمن.
وفي سبتمبر 2014 سيطر الحوثيون على صنعاء، مستفيدين من الانقسامات داخل الدولة وتحالفهم آنذاك مع قوات موالية لصالح. وكان سقوط العاصمة تحولًا خطيرًا؛ إذ أصبحت الشرعية السياسية والسيطرة المسلحة على الأرض في صراع مفتوح.
حرب 2015.. من أزمة داخلية إلى صراع إقليمي
في مارس 2015 تدخل تحالف بقيادة المملكة العربية السعودية دعمًا للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، وسط مخاوف من التوسع الحوثي والتهديدات لأمن الحدود السعودية.
وتعقدت الحرب مع تنامي الدعم الإيراني للحوثيين، وتعدد القوى اليمنية المتنافسة، وتداخل المصالح الإقليمية والدولية. وتعرضت المملكة لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بينما دفع المدنيون اليمنيون أثمانًا باهظة من القتل والنزوح والفقر وانهيار الخدمات.
ولا يمكن تفسير الحرب بالتدخل الخارجي وحده؛ فقد ساهمت الانقسامات الداخلية وضعف الدولة وصراع النخب على السلطة في تمكين التدخلات من توسيع نفوذها.
القضية الجنوبية والبحر الأحمر
لم تنتهِ القضية الجنوبية بانتصار 1994، بل تطورت إلى حراك سياسي تعددت توجهاته بين المطالبة بالحقوق والفيدرالية واستعادة الدولة الجنوبية. ومع الحرب الأخيرة، ظهرت تنافسات بين قوى جنوبية، حتى داخل المعسكر المناهض للحوثيين.
وفي الوقت نفسه، منح موقع اليمن على باب المندب والبحر الأحمر الصراع بُعدًا دوليًا إضافيًا. وقد زادت هجمات الحوثيين على السفن من مخاطر الملاحة والتجارة، وربطت الأزمة اليمنية بأمن المنطقة والعالم.
لماذا تتكرر الحروب؟
تعود جذور الصراعات اليمنية إلى عوامل متشابكة، أبرزها:
ضعف مؤسسات الدولة: إذ ظلت السلطة في مراحل كثيرة قائمة على التحالفات الشخصية والعسكرية بدل المؤسسات المستقرة.
الصراع على النفوذ والثروة: حيث تحول الاستحواذ على الدولة إلى غاية تتقدم أحيانًا على المصلحة الوطنية.
المظالم المناطقية: ولا سيما القضايا المتعلقة بالجنوب وصعدة والتفاوت في توزيع السلطة والموارد.
تعدد القوى المسلحة: بما جعل الخلافات السياسية قابلة للتحول إلى حروب.
التدخلات الخارجية: التي وجدت في الانقسامات الداخلية فرصةً لتعزيز النفوذ وتحقيق المصالح.
غياب المصالحة: إذ انتهت مراحل عديدة بانتصار طرف، دون معالجة الأسباب التي دفعت الطرف الآخر إلى الصراع.
وليس دقيقًا اختزال تاريخ اليمن في حرب مذهبية؛ فالصراع يتعلق أيضًا بالسلطة والشرعية والموارد والتحالفات، وإن استُخدمت الهويات الدينية والمناطقية في التعبئة والتحريض.
الخلاصة..
اليمن لا يحتاج إلى منتصر جديد، بل إلى دولة عادلة
بعد مئة عام من الثورات والحروب وتبدل الأنظمة، تكشف التجربة اليمنية أن إسقاط نظام لا يعني بناء دولة، وأن الوحدة لا تستقر بالإكراه، وأن الانتصار العسكري لا يعالج المظالم تلقائيًا.
إن أمن المملكة العربية السعودية واستقرارها يرتبطان بوجود يمن مستقر، قادر على ضبط أراضيه ومنع استخدامه لتهديد جيرانه، وبناء علاقات قائمة على الاحترام والمصالح المشتركة. كما أن السلام اليمني يحتاج إلى تسوية سياسية شاملة، ومعالجة القضية الجنوبية، وتوحيد المؤسسات، وضمان الحقوق، وإنهاء تعدد السلطات المسلحة.
إن المأساة الكبرى في اليمن ليست أن أبناءه اختلفوا، بل أنهم لم ينجحوا في بناء دولة تدير اختلافاتهم دون أن يتحول إلى حرب.
فالأوطان لا تنهض بكثرة الانتصارات العسكرية، بل بقدرتها على منع الحرب التالية. وأعظم انتصار يمكن أن يحققه اليمنيون هو أن ينتصروا للعدالة على الانتقام، وللدولة على السلاح المنفلت، وللمواطنة على العصبية، وللحوار على الإقصاء.
فاليمن لا يحتاج إلى سلطة جديدة تعيد أخطاء الماضي، بل إلى دولة عادلة تنهي دائرة الصراع، وتصون كرامة شعبه، وتحفظ أمن جيرانه.
✍️/ أ . يحىي حسن الفيفي



إرسال التعليق