حين يغيب الفهم
المقالات : سامي مجرشي
أمضيتُ ساعةً كاملة أشرح فكرتي لرجلٍ بثلاث طرق مختلفة. وخرجتُ من عنده وقد نفد صبري، مقتنعاً أن بعض الناس لا ينفع معهم شيء.
أنت تعرف هذه اللحظة جيداً. تُفرغ ما في جعبتك من منطق وبراهين لشرح بديهية، فيحدّق فيك المقابل بعينين زجاجيتين كأنك تحدّثه بلغة لم تُخلق بعد. يغلي دمك، ويخيَّل إليك أن رأسك على وشك الانفجار، وتتيقن في قرارة نفسك أن العيب كله فيه.
سأخبرك بما قد يهدم هذا اليقين: أحياناً العيب ليس فيه، وأحياناً ليس فيك أيضاً. العيب في «اللعبة» التي اخترتَ دخولها أصلاً.
نحن نعيش في وهمٍ مقدس اسمه «الحوار»، ونظن أن كل من يجلس أمامنا جاء ليفهم، وهذا خطأ فادح. كثيرٌ ممن نصنّفهم أغبياء لا ينقصهم الذكاء، بل ينقصهم القصد. لم يصلوا إلى آرائهم عبر جسر المنطق، بل هبطوا إليها بمظلّة من العاطفة أو الموروث أو الخوف. ومن لم يصل إلى رأيه عبر العقل، فلن تنتزعه منه بالقوة. ومحاولتنا فعل ذلك هي ما يستنزفنا، فنخرج محطمين، ويخرج هو منتشياً يظن أنه انتصر. فمن الخاسر حقاً؟
ولهذا قيل: «لا تُجادل الأحمق… فالمتفرجون لن يعرفوا أيكما هو!» فمن يراكما من بعيد يرى شخصين يرفعان صوتيهما، ولا يرى من منهما صاحب الحجة. وكلاكما سيخرج من المشهد خاسراً.
وهناك مفارقة قاتلة نغفل عنها. حين نصف شخصاً بالغباء، فنحن غالباً لا نقيس سعة عقله، بل نقيس المسافة بينه وبين قناعاتنا. من دار في فلك رأينا صار عبقرياً، ومن ابتعد عنه صار جاهلاً. فاسأل نفسك قبل أن تحكم: هل أقيس ذكاءه، أم طاعته لرأيي؟
فإن تيقنتَ مع ذلك أنك أمام جدار أصم، فالنجاة لا تكون بالصراخ، بل بفن الانسحاب الذكي، وله ثلاث أدوات.
الأولى درع الموافقة الصامتة. إذا أطلق أحدهم جهلاً فلا تصاحبه، وابتسم وقل: «ربما تكون محقاً»، ثم غيّر المسار. هذا ليس استسلاماً، بل تحصينٌ لروحك، فلا تمنحه فرصة ليهزّ أعمدتك.
الثانية سيف الاستفهام. بدلاً من سقي صخرة لا تنبت، لا تجادل بل اسأل: «كيف وصلتَ إلى هذه الفكرة؟» و«ما الذي يجعلك واثقاً منها؟». الأسئلة تكشف تناقضات الإنسان قبل أن تكشفها الخطب الرنانة. من يبحث عن الحقيقة سيستضيء بسؤالك، ومن يبحث عن منبر سيتعثر في ظلام منبره.
الثالثة ميزانية الطاقة. احسب الثمن قبل أن تدفع: ما الذي سأخسره لأفوز بهذه المعركة؟ إن كان الثمن راحة بالك وصحتك ووقتك، فالانسحاب هو الربح بعينه. الذكاء أن تعرف متى تتكلم، والحكمة أن تعرف متى تسكت، أما الجنون فأن تنتظر من الجدار أن يفهمك.
لكن احذر أن تتحول هذه القواعد إلى غرور يعميك عن كل من يخالفك. ففي اليوم التالي لتلك الساعة الضائعة عدتُ إلى الرجل نفسه. لم أشرح هذه المرة، بل سألته سؤالاً واحداً: «ما الذي يقلقك في هذه الفكرة تحديداً؟»
فأجابني بجملة قلبت اقتناعي كله: «لم أكن أرفض فكرتك.. كنتُ أنتظر فقط أن تسألني عمّا يقلقني».
يومها فهمت أن الحكمة في أمرين: أن أحفظ طاقتي لمن يستحقها، وأن أفرّق برفق بين من أغلق عقله بإرادته، ومن لم يجد من يفتح له باب قلبه.
في المرة القادمة التي تشعر فيها أن كلماتك ترتد عن جدار، لا ترفع صوتك لتهدمه، ولا تغادر ساخطاً. بل توقف للحظة واسأل نفسك: هل أنا حقاً أبحث عن إجابة، أم أبحث فقط عن صدى لصوتي؟ لأن أذكى ما يفعله العقل ليس إثبات أنه على صواب، بل إدراكه أن الفوز في النقاش قد يكلّفه خسارة الإنسان.
وتذكر دائماً: الجدران لا تُهدم بالصراخ، بل تُفتح بالأسئلة.
____________________________________________
«كتبتُها كما رأيتُها» / م. سامي يحيى مجرشي



إرسال التعليق