سوق عيبان بلغازي.. ذاكرة التجارة ومنبر الأخبار
جيزان – العيدابي – بلغازي : أصداء المناطق
من المقايضة إلى تبادل الأخبار.. سوق الخميس الذي جمع التجارة والألفة وصنع ذاكرة الأجيال
قبل أن تصل الهواتف الذكية إلى أيدي الناس، وقبل أن تصبح الأخبار متاحة بضغطة زر، كانت الأسواق الشعبية في منطقة جازان تؤدي أدوارًا تتجاوز البيع والشراء، فتجمع بين النشاط الاقتصادي والتواصل الاجتماعي وتبادل الأخبار، وكان سوق عيبان بلغازي الأسبوعي أحد تلك الأسواق التي ارتبطت بذاكرة الأهالي وحياتهم اليومية.
ففي يوم الخميس من كل أسبوع، كانت الطرق المؤدية إلى السوق تشهد حركة الأهالي القادمين من القرى والمناطق المجاورة، يحمل بعضهم منتجات مزارعهم ومواشيهم ومصنوعاتهم الحرفية، فيما يقصد آخرون السوق لتأمين احتياجات أسرهم، أو لقاء الأقارب والأصدقاء، أو معرفة ما استجد من أخبار وأحداث.
الخميس.. يوم التجارة واللقاء
لم يكن الخميس في ذاكرة مرتادي سوق عيبان بلغازي مجرد يوم عادي، بل موعدًا أسبوعيًا ينتظره الأهالي، حيث تتحول ساحة السوق إلى ملتقى تجاري واجتماعي تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع العلاقات الإنسانية.
وكانت المنتجات الزراعية المحلية، من الحبوب والفواكه والخضراوات وغيرها، حاضرة في حركة البيع والشراء، إلى جانب المواشي والمنتجات الحيوانية والمصنوعات اليدوية والأدوات التقليدية التي ارتبطت بحياة السكان واحتياجاتهم.
ومثّلت المقايضة إحدى صور التبادل التجاري التقليدي، إذ كان بالإمكان تبادل بعض المنتجات والسلع بحسب الحاجة والاتفاق بين أصحابها، في مشهد يعكس بساطة الحياة الاقتصادية وروح التعاون والتكافل بين أفراد المجتمع.
سوق بلا شاشات.. لكنه ينقل الأخبار
ولعل أكثر ما يميز الأسواق الشعبية قديمًا أنها لم تكن مراكز تجارية فحسب، بل أدت وظيفة إعلامية واجتماعية مهمة، في زمن كانت فيه وسائل الاتصال محدودة، وكانت الأخبار تنتقل غالبًا عبر اللقاءات المباشرة والروايات الشفهية.
ففي سوق عيبان بلغازي، كان الأهالي يتبادلون أخبار القرى والقبائل، ويتناقلون أخبار المناسبات الاجتماعية والأفراح والوفيات، ويتعرفون على أحوال الزراعة والأمطار والأسعار، إلى جانب المستجدات التي تهم حياتهم اليومية.
وهكذا كان السوق بمنزلة مركز إعلامي شعبي مفتوح، تسبق فيه الكلمة المنطوقة وسائل الاتصال الحديثة، ويؤدي فيه الحاضرون دور ناقلي الأخبار بين القرى والمجتمعات المحلية.
ولم تكن أهمية السوق مقتصرة على معرفة الخبر، بل امتدت إلى مناقشته وتبادل الآراء بشأنه، وتوثيق العلاقات، وتسوية بعض الخلافات، وتعزيز التواصل بين أبناء المجتمع.
اقتصاد محلي تصنعه أيادي الأهالي
شكّلت الأسواق الأسبوعية رافدًا مهمًا للاقتصاد المحلي، خصوصًا للأسر المنتجة والمزارعين ومربي الماشية والحرفيين، الذين وجدوا فيها منافذ لتسويق منتجاتهم وتبادل منافعهم.
وكانت هذه الأسواق تتيح للمنتج المحلي الوصول مباشرة إلى المستهلك، بما يسهم في تنشيط الحركة التجارية، وتوفير الاحتياجات الأساسية، وتعزيز الاعتماد على الموارد والإمكانات المتاحة في البيئة المحلية.
كما عكست طبيعة السلع المعروضة تنوع النشاط الاقتصادي في المنطقة، وما امتلكه الأهالي من خبرات زراعية وحرفية توارثتها الأجيال.
من ذاكرة الأجداد إلى عصر التقنية
ومع تطور وسائل النقل والاتصال، وانتشار الأسواق الحديثة والمراكز التجارية والمنصات الرقمية، تغيرت أنماط التسوق والتواصل، وتراجعت بعض الأدوار التقليدية التي كانت تؤديها الأسواق الأسبوعية.
فالأخبار التي كانت تحتاج إلى لقاء أسبوعي أصبحت تصل في ثوانٍ، والسلع التي كان الحصول عليها يتطلب الذهاب إلى السوق بات بالإمكان طلب كثير منها عبر الهاتف.
ومع ذلك، تبقى للأسواق الشعبية قيمة تاريخية وثقافية لا يمكن اختزالها في حركة البيع والشراء، فهي شواهد على مراحل مهمة من تطور المجتمع، ومرايا تعكس عاداته وتقاليده وأساليب معيشته.
إرث يستحق التوثيق
إن استحضار تاريخ سوق عيبان بلغازي يفتح المجال أمام أهمية توثيق الأسواق الشعبية القديمة في منطقة جازان، وجمع روايات كبار السن ممن عاصروا نشاطها، ورصد ما شهدته من تحولات اقتصادية واجتماعية.
كما يبرز أهمية المحافظة على ما تبقى من ملامح هذه الأسواق، وإحياء الموروث المرتبط بها من خلال المبادرات الثقافية والتراثية، بما يعزز ارتباط الأجيال الجديدة بتاريخ مجتمعها وهويته المحلية.
ويمكن أن تشكل الصور القديمة والشهادات الشفهية والوثائق التاريخية مادة ثرية لتوثيق تاريخ السوق، وتحديد مراحل ازدهاره وتطور نشاطه التجاري والاجتماعي.
ذاكرة لا تغيب
لم يكن سوق عيبان بلغازي مجرد مكان تُعرض فيه البضائع، بل كان مساحة يلتقي فيها الإنسان بالإنسان، وتنتقل عبرها الأخبار، وتُبنى فيها العلاقات، وتُحفظ من خلالها تفاصيل الحياة اليومية.
لقد كان الخميس يومًا للتجارة والمقايضة، وموعدًا للقاء وتبادل الأخبار، حتى أصبح السوق جزءًا من الذاكرة الاجتماعية للأهالي.
وإذا كانت الثورة العلمية والتقنية قد غيّرت وسائل التواصل والتجارة، فإنها لا تستطيع أن تمحو من ذاكرة الأجيال تلك الأسواق التي كانت تجمع الناس قبل أن تجمعهم الشاشات.
فسوق عيبان بلغازي لم يكن سوقًا للبضائع وحدها، بل سوقًا للأخبار والذكريات والعلاقات الإنسانية، وصفحة من تاريخ المنطقة تستحق أن تُروى وتُوثّق للأجيال القادمة.





تعليق واحد