×

بين الخوف والاكتشاف.. حين تُحاكم التقنية قبل أن تُفهم

المقالات : احمد هبة

ديوان البرزخ الرقمي
رحلة العقل بين سطوة التوجس وعنفوان الاكتشاف

كلما أطلّ على البشرية اكتشاف جديد، أو ولدت في المختبرات وتقنيات البرمجة والذكاء الاصطناعي أداة قادرة على تغيير شيء من حياتنا، تكرر مشهد قديم بصورة جديدة: فريق يندفع نحو الاكتشاف، وآخر يقف أمامه متوجسًا، وثالث يصدر حكمه قبل أن يمنح نفسه فرصة الفهم.

وليس الحذر في ذاته عيبًا؛ فالتقنية، مهما بلغت قدرتها، ليست خيرًا مطلقًا ولا شرًا مطلقًا. ومن حق المجتمع أن يسأل عن أخطارها وحدودها وآثارها الأخلاقية والإنسانية. لكن الفارق كبير بين حذر يبحث عن الحقيقة، وخوف يغلق أبواب المعرفة قبل أن يطرقها.

في البداية يأتي التجاهل: محاولة التعامل مع الجديد وكأنه موجة عابرة ستنتهي إذا لم نلتفت إليها. فإذا أثبت وجوده وبدأ يغيّر تفاصيل الحياة والعمل والمعرفة، انتقل بعض الرافضين من التجاهل إلى التخويف، ومن التساؤل المشروع إلى إصدار الأحكام القاطعة.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

فبدل أن يكون السؤال: كيف نفهم هذه التقنية؟ وكيف نستفيد منها ونحد من مخاطرها؟ يتحول النقاش أحيانًا إلى سؤال آخر: كيف نثبت أنها خطر؟

وعندما يعجز الرفض عن إيقاف الجديد، يظهر أسلوب آخر هو التقليل من شأنه. تُختزل التقنيات الكبرى في أخطائها الأولى، ويُنظر إلى أدوات الذكاء الاصطناعي مثلًا من زاوية ما تعجز عنه، لا من زاوية ما تستطيع تطويره مع الإنسان.

لكن التقنية لا تلغي الإنسان المبدع، كما أن الآلة الحاسبة لم تُلغِ عالم الرياضيات، ومحركات البحث لم تُلغِ الباحث، والكاميرا لم تُنهِ الفن التشكيلي. الأدوات تتغير، بينما تبقى قيمة الإنسان في قدرته على التفكير والاختيار والإبداع وتحمل المسؤولية.

والأكثر قسوة أن يتحول الخلاف حول الأداة إلى حكم على مستخدمها؛ فيُتهم الكاتب الذي يوظف الذكاء الاصطناعي في البحث والتحرير بأنه فقد إبداعه، أو يُنتقص من الباحث لأنه استعان بأداة تختصر عليه ساعات من العمل.

والسؤال هنا ليس: هل استخدمت التقنية؟
بل: ماذا صنعت بها؟

فالأداة لا تمنح صاحبها فكرًا لم يكن يملكه، ولا تصنع من الفراغ تجربة إنسانية ناضجة. قد تساعد على البحث والترتيب والتحليل والصياغة، لكنها لا تستطيع أن تعيش عن الإنسان حياته، ولا أن تمنحه ضميره ومسؤوليته ووعيه.

ومع ذلك، فإن الانبهار بالتقنية لا ينبغي أن يتحول إلى تقديس لها. فالذكاء الاصطناعي يخطئ، وقد يضلل، ويمكن أن يُساء استخدامه، كما يثير أسئلة حقيقية حول الخصوصية والملكية الفكرية وسوق العمل ومصداقية المحتوى. ولهذا فإن الموقف الأكثر نضجًا ليس رفضه ولا التسليم المطلق له، وإنما فهمه وضبط استخدامه وتطوير ثقافة مسؤولة للتعامل معه.

لقد علّمنا التاريخ أن الإنسان كثيرًا ما يخاف ما لا يعرفه، ثم يألفه عندما يفهمه، ثم لا يلبث أن يجعله جزءًا من حياته.

وبين الخوف والانبهار توجد مساحة أوسع اسمها الوعي.

هناك تحديدًا ينبغي أن يقف العقل: لا يغلق نافذته أمام المستقبل، ولا يفتحها لكل ريح دون سؤال.

فالمستقبل لن يصنعه الذين يخافون التقنية، ولن يصنعه كذلك الذين يستسلمون لها؛ بل أولئك الذين يمتلكون الشجاعة لاكتشافها، والحكمة لتطويعها، والوعي لمعرفة أين تنتهي قدرة الآلة وتبدأ مسؤولية الإنسان.

وفي النهاية، لا يستطيع أحد أن يوقف النهر لأنه لا يحب اتجاهه.

لكن الإنسان العاقل يستطيع أن يتعلم كيف يعبره.

بقلم المستشار : احمد بن هبة علي هادي

تعليق واحد

sami majrashi
Eng. Sami Majrashi

أحسنتَ أستاذ أحمد حين وضعت إصبعك على الجرح الذي يتجنبه كثيرون: أن أكثر الناس صخباً ضد كل قادم جديد هم أنفسهم من صفقوا بالأمس لقادم طاردته التهم ذاتها.

وأجدتَ حين نقلتَ الميزان من الأداة إلى من يحملها. فالمطرقة التي تبني بيتاً هي نفسها التي تهدمه واليد وحدها تقرر.

ولعل أصدق ما في المسألة أن الرافض لا يحمي قيمة في الغالب بل يحمي مألوفه من كلفة البدء من جديد.

فهل نخشى ما سيفعله هذا الجديد بنا أم ما سيكشفه عنا؟

إرسال التعليق