هاتفك يعرفك أكثر منهم!
المقالات : مسعود الفيفي
في جيبك جهاز صغير قد يعرف عنك أشياء لم تخبر بها أقرب الناس إليك.
يعرف ما تبحث عنه حين تكون وحدك، وما يلفت انتباهك، وما تتوقف عنده طويلًا، وما تتجاوزه سريعًا. يعرف الأماكن التي تثير فضولك، والموضوعات التي تغضبك أو تضحكك، وما تفكر في شرائه، وربما يتنبأ بما قد يعجبك قبل أن تعرف أنت أنك تريده.
إنه هاتفك.. أو بالأحرى الخوارزميات التي تعمل خلف شاشته.
لم تعد علاقتنا بالهاتف مجرد مكالمات ورسائل وتصفح عابر. لقد أصبح نافذة نطل منها على العالم، وفي المقابل نافذة تتجمع من خلالها إشارات كثيرة عن اهتماماتنا وسلوكنا الرقمي.
كل نقرة، وكل بحث، وكل مشاهدة، وكل إعجاب أو مشاركة، وحتى الوقت الذي نقضيه أمام محتوى معين، يمكن أن يصبح جزءًا من منظومة تتعلم باستمرار: ماذا نحب؟ وماذا نكره؟ وما الذي يجعلنا نبقى أمام الشاشة مدة أطول؟
وهنا يبدأ السؤال الأكثر إثارة:
هل نحن من نختار ما نشاهده.. أم أن ما نشاهده بدأ يختار لنا ما نفكر فيه؟
خوارزمية لا تنام
في السابق كان الإنسان يبحث عن المعلومة. اليوم أصبحت المعلومة تبحث عنه.
تشاهد مقطعًا عن السفر، فتنهال عليك مقاطع الفنادق والوجهات. تبحث عن سيارة، فتلاحقك السيارات ومراجعاتها وإعلاناتها. تتوقف أمام وصفة طعام، فتجد صفحتك بعد ساعات وكأنها مطبخ مفتوح.
الأمر ليس سحرًا، بل نتيجة أنظمة توصية تحلل أنماط الاستخدام لتقدم محتوى يُرجح أن يثير اهتمامك.
وهذه التقنيات قدمت لنا فوائد هائلة؛ اختصرت الوقت، وسهلت الوصول إلى المعرفة والخدمات، وساعدتنا على اكتشاف ما يناسب اهتماماتنا وسط بحر هائل من المعلومات.
لكن الوجه الآخر يستحق الانتباه.
حين تقدم لنا الخوارزمية باستمرار ما يشبه أفكارنا وميولنا، فقد نجد أنفسنا تدريجيًا داخل دائرة ضيقة؛ نرى ما نحب رؤيته، ونسمع الآراء التي توافقنا، ونظن أن العالم كله يفكر بالطريقة نفسها.
وهنا قد تتحول الراحة الرقمية إلى عزلة فكرية دون أن نشعر.
عندما يعرف الهاتف مزاج البيت
المفارقة أننا قد نجلس حول مائدة واحدة، وكل فرد يحمل هاتفًا يعرف اهتماماته اليومية أكثر مما يعرفها الجالس إلى جواره.
الأب يتصفح عالمًا، والأم في عالم آخر، والأبناء لكل واحد منهم عالم صممته له اهتماماته الرقمية.
نحن قريبون بالأجساد، لكن الشاشات تستطيع أن تجعل بين المقعد والمقعد مسافات بعيدة.
كان السؤال قديمًا: كيف كان يومك؟
واليوم قد تعرف المنصة بعض ملامح الإجابة قبل أن يسألها أحد في المنزل.
وهنا ليست المشكلة في الهاتف نفسه، ولا في الذكاء الاصطناعي، بل في أن نسمح للتقنية بأن تأخذ المساحة التي كانت للعائلة والحوار والصديق والكتاب والتجربة الحقيقية.
الأخطر.. ألا نعرف أننا نتأثر
ليست القضية أن يظهر أمامك إعلان عن حذاء بحثت عنه بالأمس؛ فتأثير الخوارزميات قد يمتد إلى ما هو أبعد من التسوق.
المحتوى المتكرر يستطيع التأثير في أولوياتنا، وصورتنا عن الآخرين، وما نعتقد أنه مهم أو شائع، بل وفي نظرتنا إلى أنفسنا.
وحين تدخل تقنيات الذكاء الاصطناعي بقوة أكبر في صناعة المحتوى وتخصيصه، تصبح الحاجة إلى الوعي أكبر: أن نسأل عن مصدر المعلومة، وأن نميز بين الحقيقة والإعلان، وبين الرأي والمعلومة، وبين ما اخترناه فعلًا وما تم اقتراحه علينا مرارًا حتى أصبح مألوفًا.
استعد هاتفك.. قبل أن يأخذ وقتك
الحل ليس أن نهجر التقنية، فهذا غير واقعي ولا مطلوب.
الحل أن نستعيد حقنا في الاختيار.
أن نغلق الشاشة أحيانًا دون خوف من أن يفوتنا شيء. أن نجلس مع أبنائنا ونسمعهم بدل الاكتفاء بمتابعة حساباتهم. أن نقرأ رأيًا يخالفنا. أن نبحث خارج دائرة المقترحات. وأن نتذكر أن الوقت الذي نقضيه أمام الشاشة ليس رقمًا عابرًا، بل جزء من أعمارنا.
فالذكاء الاصطناعي سيصبح أكثر قدرة، والخوارزميات ستصبح أكثر دقة، والهواتف ستعرف عنا المزيد.
لكن يبقى السؤال الذي يستحق أن نحمله معنا كلما فتحنا الشاشة:
إذا كان هاتفك يعرف ما تحب، وما تشاهد، وما تبحث عنه، وما يثير اهتمامك.. فهل يعرف أهلك وأصدقاؤك الإنسان الذي خلف تلك الشاشة؟
والأهم من ذلك كله:
هل ما زلت أنت تعرفه؟
بقلم رئيس مجلس إدارة صحيفة اصداء المناطق الإلكترونية
مسعود بن جابر جبران الفيفي



إرسال التعليق