حبال الحياة.. وأوثقها لا ينقطع
المقالات : مسعود الفيفي
في الحياة حبالٌ كثيرة؛ منها ما نبدأ به رحلتنا، ومنها ما نتشبث به في الطريق، ومنها ما ينبغي أن نتركه قبل أن يقودنا إلى السقوط. وبين حبلٍ يصل الإنسان بالحياة، وآخر يصل القلب بالقلوب، يبقى هناك حبلٌ يسمو فوق كل الحبال.
أنفعها الحبل السُّري؛ أول صلة للإنسان بالحياة، يحمل إليه غذاءه وهو في رحم أمه، وكأن أول دروس الوجود أن الحياة تبدأ بصلة وعطاء.
وأشنعها حبل الإعدام؛ فهو الصورة الأكثر قسوة للحبل حين يصبح مرتبطًا بنهاية الحياة، بعد أن كان الحبل في بدايتها وسيلةً لاستمرارها.
وأرقاها حبل الأفكار؛ فالأفكار الصادقة تصل بين العقول، وتعبر المسافات والأزمنة، وقد تبدأ فكرة في عقل إنسان ثم تتحول إلى معرفة أو مشروع أو أثر ينتفع به آخرون.
وأقصرها حبل الكذب؛ لأن الكذب مهما طال أمده لا يملك جذورًا تحفظه. قد يمنح صاحبه مهربًا مؤقتًا، لكنه يستهلك الثقة، وإذا انقطعت الثقة صعب أن يعيدها الاعتذار إلى صورتها الأولى.
وأوثقها بين الناس حبل المودة؛ ذلك الحبل الذي لا يحتاج إلى مصلحة حتى يستمر، ولا إلى مناسبة حتى يظهر. تقويه المواقف، ويحفظه الوفاء، وتكشف الأيام مقدار صدقه.
وأقربها حبل الوريد؛ قريبٌ من الإنسان قرب الحياة نفسها، وفيه تذكير دائم بضعفنا مهما بلغت قوتنا، وبأن بين نبضة وأخرى نعمًا لا نشعر بقيمتها إلا حين تختل.
لكن أجمل الحبال وأقواها حبل الإنسان مع الله؛ حبل لا تقطعه المسافات، ولا تبليه السنون، ولا يتوقف على غنى أو جاه أو قوة. كلما اشتدت على الإنسان الحياة وجد في الإيمان بالله واللجوء إليه سكينةً وأملًا وثباتًا.
وقد جمع القرآن هذا المعنى العظيم في قوله تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].
فالحياة بين حبال؛ حبلٌ يبدأ به وجودنا، وحبلٌ يجمعنا بمن نحب، وحبلٌ نصنعه بأفكارنا وأقوالنا وأفعالنا.
فلا تجعل حبل الكذب يقطع حبل المودة، ولا تجعل اختلاف الأفكار يقطع حبال القلوب، وتمسّك دائمًا بالحبل الذي إذا ضعفت الحبال كلها بقي قويًا:
حبل الله.. أوثق الحبال، ومن اعتصم به فلن يضيع.
بقلم رئيس مجلس إدارة صحيفة اصداء المناطق االإلكترونية
مسعود بن جابر جبران الفيفي



إرسال التعليق