×

مأساة بني مالك.. جرح يعيد فتح ملف تعيين المعلمات قرب مساكنهن

المقالات : مسعود الفيفي

استفاقت محافظة بني مالك صباح الأحد الموافق 22 ربيع الأول 1447هـ على فاجعة مرورية أليمة، راح ضحيتها ست معلمات شابات وسائق مركبتهن ذات الدفع الرباعي، في حادث مأساوي أعاد إلى الأذهان مسلسل الحوادث المتكررة التي تحصد أرواح المعلمات منذ سنوات، بسبب بعد مقارّ أعمالهن عن مناطق سكنهن.

هذا الحادث المروع أدخل منطقة جازان بأكملها في حالة حزن عميق، رغم التسليم بقضاء الله وقدره، لكنه في الوقت ذاته فجّر التساؤلات مجددًا حول مصير الوعود والقرارات التي صدرت في عهود سابقة لمعالجة هذه القضية.

مرسوم ملكي لا يُنسى

في عهد الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله، صدر الأمر الملكي رقم 20479 بتاريخ 29/5/1435هـ، الذي كان بمثابة نقلة نوعية في ملف المعلمات.
فقد قضى هذا الأمر بشمول شريحة كبيرة من المعلمات البديلات وخريجات الدبلوم والمعاهد بالتعيين أو التثبيت، كما وجّه الجهات المختصة بوضع الآليات التي تكفل معالجة أوضاعهن وتحقيق الاستقرار الأسري والوظيفي لهن.

ومن أبرز مخرجات ذلك التوجه استحداث أكثر من 204,000 وظيفة تعليمية، إضافة إلى إطلاق برامج مثل “لم الشمل” وغيرها من الآليات التي هدفت إلى تقريب المعلمات من مناطق سكنهن وتخفيف معاناة التنقلات اليومية.

أين ذهبت تلك التوجهات؟

اليوم، ونحن نودّع ضحايا بني مالك، تعود الأسئلة المؤلمة إلى الواجهة:
• أين ذهبت تلك القرارات والآليات التي كان يفترض أن تُنهي معاناة آلاف المعلمات؟
• كيف تلاشت برامج كان لها أن تقي كثيرًا من الأمهات والمعلمات شرّ هذه الطرق الوعرة؟
• ومتى يتحول ملف “تعيين المعلمات في مناطق سكنهن” من قرار على الورق إلى واقع مطبّق على الأرض؟

مناشدات تخطها دماء الضحايا

إن رحيل ست معلمات وسائقهن في يوم واحد لا يُعد حادثًا عابرًا، بل هو جرس إنذار صارخ يدعو وزارة التعليم وجميع الجهات المعنية إلى إعادة النظر بجدية في هذا الملف، والعودة إلى روح المرسوم الملكي الذي وُضع أساسًا لحماية الأرواح، قبل أن يكون مجرد أرقام ووظائف.

من هنا، يناشد المجتمع بأسره:
• ولاة الأمر: أن تُجدد العناية بهذا الملف الحساس، حفاظًا على أرواح بنات الوطن اللواتي يخرجن من بيوتهن الثالثة قبل الفجر ولا يعدن إلا بعد الخامسة مساء، في رحلة طويلة محفوفة بالمخاطر.
• وزارة التعليم: أن تُعيد صياغة سياساتها لتراعي ظروف من يعملن في المناطق النائية والبعيدة، وألا يُساوين بمن يعملن في قلب المدن الكبرى حيث تتوفر الخدمات والرفاهية.
• إدارات التعليم: أن تُظهر مرونة وإنسانية أكبر في التعامل مع ظروف المعلمات الميدانيات، فلا تكون الإجراءات الصارمة للحد من الغياب سيفًا على رقابهن، بينما حياتهن معلقة على كف القدر، إما عودة إلى أسرهن أو خبر مفجع.

مصير مجهول في ظل الإجراءات

لقد باتت المعلمات في المناطق النائية يواجهن مصيرًا مجهولًا، إذ تُطبق بحقهن إجراءات صارمة مرتبطة بالغياب والانضباط، وتُفرض عليهن خدمات رقمية موحدة لا تفرّق بين من تسكن على مقربة من المدارس في المدن، ومن تقطع عشرات الكيلومترات يوميًا وربما تصل لمائة كيلو واكثر بين طرق وعرة وجبال وأودية.

رسالة من قلب المأساة

دموع أهالي جازان عامة اليوم ليست سوى شاهد جديد على أن الحلول المؤقتة لم تعد كافية، وأن المطلوب تحرك عملي يعيد الأمل لأسرٍ تخشى في كل صباح أن تتحول رحلة العمل إلى رحلة بلا عودة.

والمأساة تعيدنا جميعًا إلى نقطة البداية: “أين ذهبت كل تلك الوعود والتسهيلات؟”.
ولعل هذا السؤال يكون بداية لقرار جديد، يُحيي ما بدأه الملك عبدالله رحمه الله، ويعيد للمعلمات حقهن في الاستقرار، وللمجتمع الطمأنينة بأن دماء الضحايا لم تُهدر بلا جدوى.

بقلم : مسعود جابر جبران الفيفي

رئيس مجلس أدارة صحيفة أصداء المناطق

إرسال التعليق