×

الحوثيون.. من صعدة إلى تهديد مكة والمنطقة

المقالات : مسعود الفيفي

من حركة محلية في شمال اليمن إلى صواريخ ومسيّرات تعبر الحدود وتطال أمن المملكة والمنطقة

لم تعد قراءة ظاهرة الحوثيين في اليمن مرتبطة بالصراع الداخلي وحده؛ فخلال السنوات الأخيرة تحولت الجماعة إلى قوة مسلحة تستخدم الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة في عمليات عابرة للحدود، فيما اتسع نطاق نشاطها ليشمل الأراضي السعودية، ودولة الإمارات، والممرات البحرية في البحر الأحمر.

وفي عام 2026 عاد هذا الملف إلى الواجهة بصورة أكثر حدة، مع تصاعد الهجمات الحوثية باتجاه المملكة واستهداف مدن ومنشآت وأعيان مدنية، وصولًا إلى محاولة جديدة اقتربت من أجواء العاصمة المقدسة.

مكة.. استهداف يتكرر عبر السنوات

في 27 يوليو 2017 أعلنت المملكة اعتراض صاروخ باليستي أطلقته الميليشيا الحوثية باتجاه منطقة مكة المكرمة.

وبعد نحو تسع سنوات، وفي 15 سبتمبر 2026، أعلن المتحدث باسم قوات التحالف اعتراض وتدمير طائرة مسيّرة حوثية قبل دخولها المجال الجوي المحظور للعاصمة المقدسة، موضحًا أن الاعتراض تم جنوب مدينة مكة.

ووصف البيان الرسمي هذه المحاولة بأنها المحاولة الثانية لاستهداف مكة المكرمة بعد محاولة عام 2017.

وتكتسب الواقعة حساسية خاصة؛ فمكة المكرمة تحتضن المسجد الحرام، قبلة المسلمين، ويعني تعريض أجوائها لأي تهديد عسكري إدخال أمن الحرمين وضيوف الرحمن في دائرة الخطر.

كما أدانت الهيئة الدائمة المستقلة لحقوق الإنسان التابعة لمنظمة التعاون الإسلامي الهجمات الحوثية على السعودية، وأعربت عن قلقها البالغ من اعتراض المسيّرة جنوب مكة، معتبرة أن تعريض المدينة المقدسة لأي تهديد عسكري يمثل تصعيدًا بالغ الخطورة يمس أمن المدنيين والحجاج والقيمة الروحية للحرمين الشريفين.

2026.. صواريخ ومسيّرات باتجاه مدن المملكة

لم تكن محاولة سبتمبر حادثة منفردة في عام 2026.

ففي 9 سبتمبر 2026 أعلنت قيادة التحالف أن الحوثيين نفذوا هجمات باتجاه خميس مشيط وأبها وجازان باستخدام عدد من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، مؤكدة أن الاعتداءات استهدفت المقدرات الوطنية والبنية التحتية والمدنيين.

ثم جاء 24 سبتمبر 2026، عندما أعلن التحالف اعتراض وتدمير ستة صواريخ باليستية أطلقتها الميليشيا الحوثية باتجاه مدينتي الطائف وينبع، فيما أدان مجلس التعاون لدول الخليج العربية إطلاق الصواريخ، مؤكدًا أن استمرار استهداف أراضي المملكة بالصواريخ الباليستية يمثل تصعيدًا خطيرًا.

وفي 26 سبتمبر 2026 أُعلن كذلك اعتراض وتدمير صاروخ باليستي حوثي أطلق باتجاه خميس مشيط.

وهكذا أضاف عام 2026 سلسلة جديدة إلى سجل الهجمات الحوثية العابرة للحدود، بعدما أصبحت الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة إحدى أبرز أدوات الجماعة العسكرية.

من السعودية إلى الخليج

لم يقتصر النشاط الحوثي على الأراضي السعودية؛ فقد امتدت تهديداته إلى منطقة الخليج، وسبق أن استهدفت هجمات حوثية منشآت وأعيانًا مدنية في دولة الإمارات.

وفي 2022، أدان مجلس الأمن الدولي هجمات الحوثيين العابرة للحدود ضد السعودية والإمارات، مشيرًا إلى استهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية.

وفي 2026 استمرت المخاطر المرتبطة بالقدرات الصاروخية والمسيّرة في المنطقة، بالتزامن مع توسع نشاط الجماعة في البحر الأحمر وتهديد الملاحة الدولية.

البحر الأحمر.. السلاح الحوثي يتجاوز الحدود

أصبح البحر الأحمر وباب المندب جزءًا أساسيًا من المشهد الحوثي.

فقد وثقت جهات دولية هجمات وتهديدات طالت سفنًا وممرات بحرية، فيما أعلنت جهات يمنية خلال أغسطس 2026 ضبط شحنة تضم مكونات طائرات مسيّرة إيرانية قالت إنها كانت في طريقها إلى الحوثيين.

وفي سبتمبر 2026، تحدثت تقارير يمنية عن ضبط مكونات وتقنيات مرتبطة بالطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة، وقالت إنها مرتبطة بشبكات تهريب مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني.

وتضيف هذه الوقائع إلى ملف طويل من الاتهامات والتقارير التي تتحدث عن الدعم الإيراني للحوثيين، بما في ذلك توفير الخبرات والتقنيات والأسلحة.

إيران والحوثيون.. علاقة تتجاوز الخطاب السياسي

خلال عام 2026 ظهرت تقارير أكثر تفصيلًا عن طبيعة العلاقة بين طهران والحوثيين.

فقد نقلت «رويترز» في سبتمبر 2026 عن مصادر يمنية وإيرانية وإقليمية أن مستشارين من الحرس الثوري الإيراني قدموا دعمًا مباشرًا للحوثيين، بما في ذلك المساعدة في المجال العسكري والاستخباري، بالتزامن مع توسع الجماعة على الساحل الغربي لليمن.

كما أعلنت القوات اليمنية خلال أغسطس ضبط شحنة من مكونات الطائرات المسيّرة قالت إنها إيرانية وكانت متجهة إلى الحوثيين، وهي واقعة تضيف بعدًا عمليًا إلى النقاش حول طبيعة الإسناد الإيراني للجماعة.

وبالتالي فإن الحديث عن العلاقة بين الحوثيين وإيران لم يعد مقتصرًا على الشعارات السياسية؛ بل أصبح مرتبطًا بتقارير عن التسليح والتدريب والخبرات التقنية وشبكات التهريب.

مدنيون في دائرة الخطر

الأخطر في هذا المسار أن الصواريخ والمسيّرات لا تتحرك في فراغ؛ فعندما تُطلق باتجاه مدن مأهولة أو منشآت حيوية، فإن المدنيين يصبحون جزءًا من دائرة الخطر.

وقد أعلنت منظمة التعاون الإسلامي، عبر هيئتها المستقلة لحقوق الإنسان، أن الهجمات الحوثية على السعودية خلال سبتمبر 2026 طالت مناطق مأهولة ومنشآت مدنية وحيوية، وأدت إلى إصابات بين المدنيين وأضرار في منازل وبنية تحتية.

كما وثقت جهات يمنية في سبتمبر 2026 هجمات حوثية داخل اليمن أدت إلى سقوط مدنيين وأضرار في منازل ومرافق مدنية، بما في ذلك استهداف تجمع للنازحين في مأرب، وفق بيان منظمات المجتمع المدني اليمنية الذي نقلته وكالة الأنباء السعودية.

من حركة محلية إلى تهديد إقليمي

تكشف هذه التطورات مسارًا واضحًا في تطور الحوثيين: من حركة محلية نشأت في شمال اليمن، إلى جماعة سيطرت على صنعاء، ثم إلى قوة تمتلك صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة وقدرات بحرية، وتستخدمها في عمليات تتجاوز الحدود اليمنية.

والفارق اليوم أن القضية لم تعد شأنًا يمنيًا داخليًا فقط؛ فاستهداف المدن السعودية، ومحاولات الاقتراب من مكة المكرمة، وتهديد المنشآت الحيوية، واستهداف الملاحة البحرية، كلها جعلت النشاط الحوثي قضية تتصل بأمن المملكة وأمن الخليج والممرات البحرية الدولية.

الخلاصة

إن سجل الحوثيين خلال السنوات الماضية، وما شهده عام 2026 تحديدًا، يقدم صورة عن جماعة تطورت قدراتها العسكرية بصورة كبيرة، وأصبحت قادرة على استخدام الصواريخ والمسيّرات في عمليات عابرة للحدود.

أما محاولة استهداف مكة في سبتمبر 2026، فهي تكتسب دلالة استثنائية؛ ليس فقط لأنها استهدفت أجواء العاصمة المقدسة، وإنما لأنها جاءت بعد محاولة الصاروخ الباليستي عام 2017، لتصبح الواقعتان موضعًا موثقًا في سجل الهجمات الحوثية باتجاه مكة.

ومع استمرار ظهور تقارير عن أسلحة ومكونات إيرانية في طريقها إلى الحوثيين، وعن دعم إيراني عسكري وتقني للجماعة، فإن ملف الحوثيين لم يعد مجرد قصة صراع على السلطة في اليمن، بل أصبح جزءًا من معادلة أمنية إقليمية تتداخل فيها الصواريخ والطائرات المسيّرة والممرات البحرية وأمن المدن والمنشآت المدنية.

ويبقى التوثيق هو الأقوى: فالأحداث المثبتة بالبيانات الرسمية والتقارير الدولية أكثر تأثيرًا من المبالغة، وأكثر قدرة على إبراز حجم الخطر أمام الرأي العام.

بقلم رئيس مجلس إدارة صحيفة اصداء المناطق الإلكترونية

مسعود بن جابر جبران الفيفي

إرسال التعليق