×

قرارات بلا زمام .. ومسؤوليات بلا اهتمام

الكاريزما

المقالات : علي المحنشي

في مواقع العمل والحياة، يختلط على البعض الفرق بين الصلاحية والمسؤولية؛ البعض يظن أن امتلاك القرار يعني امتلاك القدرة على النجاح، وأن تحمل المسؤولية يكفي ولو غابت الأدوات التي تمكن صاحبها من أدائها.

والحقيقة أن الصلاحية والمسؤولية متلازمتان؛ فلا يصح أن تكلف شخصاً مسؤولية كاملة، ثم تحرمه من الصلاحية التي تمكنه من أدائها، ولا أن تمنحه صلاحيات واسعة ثم تعفيه من تبعات قراراته.

فالصلاحية هي القدرة على اتخاذ القرار، أما المسؤولية فهي تحمل نتائج ذلك القرار.

ومن هنا تبدأ الحكمة.

فليس كل من يملك الصلاحية يحسن استخدامها، وليس كل من يتحمل المسؤولية يملك الوسيلة لتحقيقها. وقد يكون الخلل أحياناً في المعادلة نفسها: مسؤولية كبيرة بصلاحيات محدودة، أو صلاحيات واسعة بمسؤولية محدودة.

وهذه القاعدة لا تنطبق على العمل وحده، بل تبدأ من داخل الأسرة.

فالوالدان يملكان في بيتهما صلاحيات واسعة في توجيه أبنائهما وتربيتهم، لكن النجاح لا يقاس بكثرة الأوامر والمنع، وإنما بقدر ما يحسنان أداء مسؤوليتهما.

فالأبوة والأمومة ليستا سلطة على الأبناء فحسب، بل أمانة في تربيتهم، وقدوة أمامهم، وحوار معهم، واحتواء لأخطائهم، وتوجيه لسلوكهم، وإعداد لهم ليكونوا قادرين على مواجهة الحياة.

وقد يملك الوالدان صلاحية الأمر والنهي، لكنهما قد يخفقان في المسؤولية حين تتحول السلطة إلى قسوة، فيغيب الحوار، ويحضر الإهمال، أو يطلبان من أبنائهما سلوكاً لا يرونهما يطبقانه.

فالأبناء لا يتعلمون مما يسمعونه فقط، بل مما يرونه أيضاً.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته).

فكل صلاحية أمانة، وكل قرار له تبعات، وكل مسؤولية تحتاج إلى وعي، وأعظم المسؤوليات تلك التي تتعلق ببناء الإنسان.

ومن غير الإنصاف أن نحاسب شخصاً على نتائج لم يكن يملك صلاحية التأثير فيها؛ فالمسؤولية العادلة تقتضي أن تتناسب المحاسبة مع الصلاحية، والتكليف مع الإمكانيات.

لكن حين تكون الصلاحية واسعة، تصبح المسؤولية أكبر؛ لأن من يملك القرار لا ينبغي أن يتنصل من أثره.

وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل:
قد يكون الوالدان أصحاب أعلى سلطة في البيت، لكنهما لا يكونان بالضرورة أصحاب أعلى تأثير فيه.

فالتأثير لا تصنعه الصلاحيات، وإنما تصنعه القدوة الحسنة، والحكمة في التوجيه، والعدل في التنفيذ، والحضور عند الحاجة، وحسن المعاملة.

ولهذا، فإن الوالدين اللذين يريدان أبناء صالحين، لا يكفي أن يمنحاهم الأوامر؛ بل عليهما أن يمنحاهم القدوة. ولا يكفي أن يحاسباهم على أخطائهم؛ بل عليهما أن يسألا نفسيهما: ماذا قدمنا لهم حتى نحاسبهم؟

ختاماً..
الصلاحية تمنحك حق القرار، والمسؤولية تلزمك بحسن الاختيار؛ فإذا اجتمعت الصلاحية مع الأمانة والحكمة في التنفيذ، أصبح المنصب رسالة، والتربية بناء، وأصبح القرار أثراً طيباً يمتد من جيل إلى جيل.

بقلم الكاتب والإعلامي : علي بن ادريس المحنشي

إرسال التعليق