حين تتحول اللهجة إلى مادة للسخرية
المقالات : مسعود الفيفي
ليست اللهجات المحلية مجرد طريقة في نطق الكلمات، بل هي جزء من ذاكرة المكان وتاريخه وتنوعه الاجتماعي والثقافي. ومن هنا، فإن تحويل لهجة منطقة جازان أو مفرداتها إلى مادة للسخرية أو الانتقاص، خصوصًا عندما يصدر ذلك من أشخاص يحظون بمتابعة جماهيرية، يستحق وقفة هادئة ومسؤولة.
المشكلة ليست في المزاح بحد ذاته؛ فالمجتمع يتسع للاختلاف وخفة الظل، وإنما تبدأ المشكلة عندما يتحول المزاح إلى استهزاء بالهوية المحلية، أو تطبيع مع ألفاظ وسلوكيات تخالف الذوق العام والقيم الاجتماعية، ثم تقديم ذلك لجمهور واسع على أنه محتوى ترفيهي عادي.
جازان أكبر من أن تختزل في مقطع ساخر
جازان منطقة ذات تنوع ثقافي ولهجات وموروثات وعادات متجذرة، وأبناؤها جزء أصيل من النسيج الوطني السعودي. ولذلك فإن السخرية من لهجة أو مفردة محلية لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة للنيل من أهل المنطقة أو التقليل من مكانتها.
وفي المقابل، فإن أبناء جازان أنفسهم مطالبون بأن يكونوا أكثر وعيًا في التعامل مع المحتوى الذي يمثل منطقتهم أمام الآخرين؛ فليس كل من استخدم اللهجة المحلية أو تحدث باسم المنطقة قدّم صورة حقيقية عنها، وليس كل محتوى يحظى بالمشاهدات يستحق أن يصبح نموذجًا يُحتذى.
الشهرة لا تمنح حصانة من المسؤولية
مع اتساع منصات التواصل والبث المباشر، أصبح بعض صناع المحتوى يمتلكون تأثيرًا يتجاوز تأثير المنابر التقليدية. وكما أن لهذا الانتشار جوانب إيجابية، فإن له جانبًا آخر يتمثل في سرعة انتشار السلوكيات والعبارات والمشاهد التي قد يراها البعض مخالفة للقيم أو للذوق العام.
وهنا تبرز مسؤولية المشهور وصانع المحتوى قبل مسؤولية المتلقي.
فالجمهور، ولا سيما صغار السن، لا يشاهد الكلمات منفصلة عن صاحبها؛ بل قد يتعامل مع المشهور بوصفه نموذجًا للسلوك والتعبير. ولذلك فإن تحويل البثوث إلى مساحة للتجاوز اللفظي أو الإيحاءات أو السخرية من الآخرين أو استعراض ما يخالف القيم الاجتماعية ليس أمرًا ينبغي التعامل معه دائمًا باعتباره «مزحة» لمجرد أنه حقق مشاهدات مرتفعة.
القضية ليست جنسية ولا قبيلة
ومن المهم هنا التأكيد على نقطة أساسية: المشكلة في السلوك والمحتوى المخالف، وليست في جنسية الشخص أو أصله أو قبيلته.
فوجود أبناء جاليات عربية أو غير عربية في جازان، ممن نشؤوا فيها وشاركوا أهلها حياتهم ومناسباتهم، ليس موضوعًا للنقد في ذاته، كما أن الانتماء إلى قبيلة عريقة لا يمنح صاحبها حصانة من الخطأ، ولا يعني خطأ فردٍ ما تحميل قبيلته أو جماعته المسؤولية عنه.
المعيار العادل واحد للجميع:
ما الذي قيل؟ وما الذي نُشر؟ وهل يتوافق مع الأنظمة والقيم والآداب العامة؟
أما تحويل القضية إلى تصنيف للناس بحسب أصولهم أو قبائلهم، فهو يبعد النقاش عن جوهر المشكلة ويخلق خلافًا اجتماعيًا لا حاجة له.
المسؤولية تبدأ من الأسرة والمجتمع
كما أن الحديث عن بعض الفتيات أو النساء اللواتي يظهرن في محتوى مثير للجدل ينبغي أن يكون بعيدًا عن التشهير والتعميم. فالمجتمع لا يحتاج إلى مطاردة الأشخاص أو نشر أسمائهم وصورهم، بقدر حاجته إلى مناقشة الظاهرة نفسها: لماذا أصبح بعض المحتوى المخالف قادرًا على جذب أعداد كبيرة من المشاهدين؟ ولماذا تتحول بعض التجاوزات إلى مادة للضحك والتقليد؟
الإجابة تبدأ من الأسرة، ثم المدرسة، ثم المجتمع، ثم صانع المحتوى، وأخيرًا المتلقي الذي يملك قرار المتابعة والمشاركة وإعادة النشر.
المشاهد شريك في صناعة المحتوى
المشاهد ليس مجرد متلقٍ.
عندما يمنح مقطعًا ملايين المشاهدات، ويعيد نشره، ويعلّق عليه، ويشارك في رفع انتشاره، فإنه يساهم بصورة غير مباشرة في تحديد نوع المحتوى الذي سيستمر ظهوره.
ولهذا فإن مواجهة المحتوى الهابط لا تكون دائمًا بالصدام معه، وإنما أحيانًا بعدم منحه الجمهور الذي يبحث عنه، مع استخدام القنوات النظامية للإبلاغ عن المحتوى الذي يتضمن مخالفة تستوجب البلاغ.
لا نريد إسكات أحد… بل نريد محتوى مسؤولًا
حرية التعبير والإبداع لا تعني أن تتحول المنصات إلى مساحة مفتوحة للإساءة إلى الناس أو المناطق أو اللهجات أو القيم الاجتماعية.
وفي المقابل، فإن حماية القيم لا تعني مصادرة الاختلاف أو محاربة الفكاهة أو مطالبة الجميع بالتحدث بطريقة واحدة.
المطلوب هو التوازن:
ضحك بلا إساءة، نقد بلا تشهير، اختلاف بلا تجريح، وشهرة بلا إسقاط للقيم.
إن جازان لا تحتاج إلى من يتحدث باسمها في كل بث أو مقطع، بقدر حاجتها إلى محتوى يعكس تنوعها وتاريخها وأصالة مجتمعها، ويقدم صورتها بما يليق بمكانتها.
وفي النهاية، فإن الانتماء الحقيقي لأي منطقة لا يُقاس بكثرة ترديد اسمها، ولا باستخدام لهجتها في البثوث، ولا بعدد المتابعين؛ وإنما بما يقدمه الإنسان من صورة محترمة عن نفسه ومجتمعه ووطنه.
فاللهجة موروث… والهوية مسؤولية… والشهرة أمانة.
بقلم رئيس مجلس ادارة صحيفة اصداء المناطق
مسعود جابر جبران الفيفي



إرسال التعليق