×

اليمن بين سليمان وسلمان.. رقصة الموت الأخيرة

المقالات : جابر ملقوط

أرى أن «رقصة الموت الأخيرة» باتت تحكم خطوات الحوثي؛ فأفاعي الكهوف لم يعد لديها إلا الفحيح، بعد أن ضاقت بها الدروب، وأصبحت تهرول القهقرى نحو مصير تصنعه أفعالها.

ولليمن مع التاريخ حكايات طويلة؛ أرضٌ تعاقبت عليها الحضارات والملوك، ومرّت بها الفتن، لكنها بقيت أكبر من كل عابر وأبقى من كل مشروع طارئ.

• من بلقيس إلى سليمان.. حين انتصرت الحكمة

منذ فجر التاريخ، حملت قصة ملكة سبأ مع نبي الله سليمان عليه السلام درسًا خالدًا؛ فحين ظهر لها الحق لم تكابر، ولم تدفع قومها إلى حرب عبثية، بل قالت كما جاء في القرآن الكريم:

﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

كانت الحكمة يومها أقوى من المكابرة، وكانت سلامة الأمة مقدمة على عرش الملك.

• أبرهة.. ومن اليمن خرج جيش الفيل

ومرت القرون، وخرج أبرهة الحبشي من اليمن بجيشه وفيله قاصدًا هدم الكعبة المشرفة، فكانت النهاية التي خلدها القرآن الكريم في سورة الفيل؛ نهاية تؤكد أن للمقدسات حرمة، وأن القوة مهما بلغت لا تمنح صاحبها الحق في تجاوز حدود الله.

• الأسود العنسي.. فتنة أخرى من التاريخ

وفي أواخر حياة النبي ﷺ ظهر الأسود العنسي في اليمن مدعيًا النبوة، وسيطر فترة على صنعاء وأجزاء من اليمن قبل أن تنتهي فتنته.

وهي محطة أخرى تقول إن اليمن، رغم ما مر به من فتن واضطرابات، ظل قادرًا على تجاوزها، وبقيت أرضه وشعبه أكبر من دعاوى الأفراد والمشروعات العابرة.

• الحوثي.. فصل حديث من الصراع

واليوم يقف اليمن أمام فصل مختلف؛ جماعة الحوثي التي امتد صراعها لسنوات طويلة، وحملت السلاح وسيطرت على صنعاء ومؤسسات الدولة، لتدخل البلاد في واحدة من أعقد مراحل تاريخها الحديث.

ومن وجهة نظري، فإن استمرار هذا الصراع كل هذه السنوات لم يكن نتيجة قوة الحوثي وحدها؛ بل أسهمت فيه حسابات دولية وإقليمية ومصالح سياسية متشابكة، دفعت ثمنها اليمن والمنطقة.

• سلمان.. والحزم في لحظة تاريخية

وعندما وصلت الأزمة إلى مرحلة تهدد أمن المملكة وحدودها واستقرار المنطقة، جاء القرار السعودي في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وانطلقت عملية «عاصفة الحزم» عام 2015 دعمًا للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.

ومنذ ذلك الحين أصبح الملف اليمني واحدًا من أكثر ملفات المنطقة تعقيدًا، تتداخل فيه السياسة والأمن والميدان والمفاوضات والمصالح الإقليمية والدولية.

• اليمن ليس الحوثي

وهنا يجب أن نفرق بين اليمن والحوثي.

اليمن هو صنعاء وتعز ومأرب والجوف وعدن والحديدة وحضرموت وكل أرضه.

اليمن هو شعب عريق وحضارة ضاربة في التاريخ، وليس جماعة مسلحة مهما طال بقاؤها أو اتسع نفوذها.

ومن الظلم اختزال تاريخ اليمن العظيم في مرحلة سياسية أو جماعة أو حرب.

• من سليمان إلى سلمان.. ويبقى اليمن

وبين سليمان عليه السلام وسلمان بن عبدالعزيز تمتد آلاف السنين، وتتغير الدول والأسماء والأحداث، لكن العبرة واحدة:

لا يبقى في اليمن إلا اليمن.

أما الصراعات والمشروعات العابرة، فمهما ارتفع ضجيجها، فإنها تبقى صفحات يطويها التاريخ.

وما أرجوه لليمن اليوم ليس مزيدًا من الدماء والقبور، بل أن يستعيد دولته وأمنه وعروبته، وأن تعود صنعاء حرة آمنة، وأن يجتمع اليمنيون على وطنهم بعيدًا عن السلاح والمشروعات الخارجية.

والله أكبر، والحمد لله، وحفظ الله المملكة وقيادتها وشعبها، وحفظ اليمن وأهله، وأعاد إليه أمنه واستقراره.

بقلم : الأستاذ والكاتب : جابر ملقوط الخالدي المالكي

إرسال التعليق