×

الأيام تكشف وجوه الناس


المقالات : حمد دقدقي


ليست الأيام هي التي تغيّر الناس كما نظن، وإنما هي التي تزيح عنهم الستائر، وتطفئ شيئًا فشيئًا الأضواء التي كانوا يقفون تحتها، حتى نراهم كما هم، لا كما أحببنا أن نراهم. فالإنسان قد يستطيع أن يجيد ارتداء القناع في مواسم الرخاء، وأن يحسن اختيار كلماته حين تكون الطرق معبّدة بالود، لكنه حين تعصف به وبمن حوله رياح المواقف، يسقط كل شيء دفعة واحدة، ويبقى وجه الحقيقة وحده.
ولذلك كانت المواقف الصعبة أصدق من ألف حديث، وأبلغ من مئات العهود. إنها الغربال الذي لا يخطئ؛ تتساقط من خلاله الوجوه المستعارة، وتبقى الأرواح التي لم تكن تحتاج إلى زينة كي تكون جميلة، ولا إلى وعود كي تكون صادقة. ففي الشدائد نكتشف أن بعض الذين حسبناهم جدارًا نتكئ عليه، لم يكونوا إلا ظلًا طالما مشى إلى جوارنا، فإذا اشتدت الشمس غاب.
وليس مؤلمًا أن نكتشف حقيقة إنسانٍ أحببناه، بقدر ما يؤلمنا أن نكتشف أننا منحناه من الثقة ما لم يكن أهلًا لها. غير أن الحياة، في عدالتها الخفية، لا تتركنا خاسرين تمامًا؛ فهي تأخذ منا وهمًا، وتمنحنا بصيرة، وتسقط من قلوبنا صورةً لم تكن إلا من صنع الخيال.
نحن لا نخسر الأصدقاء حين تنكشف المواقف؛ نحن نخسر الوهم الذي كنا نسميه صداقة. أما الصديق الحقيقي، فلا تحتاج معرفته إلى امتحان، لأن قلبه يسبق موقفه، ووفاؤه لا ينتظر مناسبة ليظهر. إنه ذلك الإنسان الذي يبقى حين يذهب الآخرون، ويصمت إلى جوارك حين تعجز الكلمات، ويحفظ غيابك كما يحفظ حضورك، ولا يجعل من حاجتك إليه مناسبة ليشعر بتفوقه عليك.
وكم من موقفٍ هزّ استقرارنا، ثم اكتشفنا بعد حين أنه كان رحمةً جاءت في صورة ألم. وكم من بابٍ أُغلق في وجوهنا، فظنناه خسارة، ثم أدركنا أن وراءه طريقًا كان ينبغي ألا نسلكه. بعض الصدمات لا تأتي لتكسرنا، وإنما لتوقظ فينا ذلك الجزء النائم من الوعي، الذي ظل طويلًا يصدق ما يشتهي، لا ما يرى.
فكن ممتنًا للمواقف التي أربكت حساباتك، وللوجوه التي انكشفت في اللحظة التي لم تكن تتوقعها، وللأبواب التي أغلقت نفسها دون استئذان؛ فلولاها لبقيت عقارب وعيك تدور في فلك الأوهام، ولظللت تمنح قلبك لمن لا يعرف قيمة القلوب.
إن النقاء الروحي لا يعني أن نعيش بلا خيبات، بل أن نخرج من الخيبة دون أن نفقد قدرتنا على الصفح، ودون أن نسمح للمرارة أن تسكن أرواحنا. أن نتعلم كيف نضع كل إنسان في مكانه الصحيح؛ فلا نرفع عابرًا إلى مقام المقيم، ولا نحمّل قلبًا عابرًا مسؤولية الوفاء، ولا نطلب من الجميع أن يكونوا مثلنا.
وفي آخر الطريق، لا يبقى في القلب إلا القليل؛ قليل من الوجوه، كثير من الذكريات، وقلوب صادقة نشعر معها أن الدنيا، على اتساعها، ما زالت بخير.
فاختر قلوبك كما تختار وطنك؛ لا تسكن إلا حيث تشعر بالأمان، ولا تمنح مفاتيح روحك إلا لمن إذا دخلها، صانها، وإذا غاب عنها، ترك فيها أثرًا من الطمأنينة لا وجعًا من الأسئلة.
وحين تكشف الأيام وجوه الناس، لا تحزن كثيرًا على الذين رحلوا؛ اشكر الله على أنه عرّفك حقيقتهم قبل أن تمضي معهم أبعد مما ينبغي. فبعض الرحيل نجاة، وبعض الخذلان درس، وبعض الخسارات كانت، في حقيقتها، بداية لاسترداد النفس من زحامٍ طويل من الأوهام.
فالأيام لا تغيّر أحدًا… إنها فقط تمنح الحقيقة وقتها كي تظهر.

إرسال التعليق