حين يدفع المواطن مرتين
المقالات : أحمد هبة
لم يعد الجدل حول التأمين مرتبطًا فقط بارتفاع أسعار الوثائق، بل بات يتجاوز ذلك إلى سؤال أكثر إلحاحًا: هل يتحمل المواطن تكلفة الحماية مرة واحدة، أم يجد نفسه مطالبًا بدفعها مرتين؟
ففي الوقت الذي يدفع فيه المؤمن له قسط التأمين مقدمًا، يجد بعض المتضررين أنفسهم أمام واقع مالي أكثر تعقيدًا بعد وقوع الحوادث، خصوصًا عند حلول موعد التجديد، حين قد ترتفع قيمة الوثيقة أو تتغير شروطها وتكاليفها بصورة قد تثقل كاهل المستهلك.
وهنا تبرز المفارقة التي تستحق الوقوف عندها: فالتأمين في جوهره قائم على توزيع المخاطر بين المشتركين، بحيث لا يتحمل الفرد وحده تبعات الحوادث المفاجئة. لكن عندما يشعر المستهلك بأن الحادث الذي تعرض له انعكس لاحقًا على قدرته على الحصول على وثيقة مناسبة، فإن السؤال يصبح مشروعًا: أين تنتهي الحماية، وأين تبدأ الكلفة؟
المشكلة لا تقف عند الأسعار وحدها، بل تمتد إلى تعدد الشروط والتفاصيل التي قد لا يدركها المستهلك بصورة كاملة عند إبرام العقد. ومع محدودية الخيارات أو تقارب العروض المتاحة في بعض الحالات، يجد المواطن نفسه أمام معادلة صعبة: إلزام نظامي بالتأمين من جهة، وارتفاع التكلفة من جهة أخرى.
والأصل أن العلاقة التأمينية ينبغي أن تقوم على التوازن والوضوح؛ فالشركة تحصل على القسط مقابل تحمل مخاطر محددة وفق العقد، والمؤمن له يحصل في المقابل على حماية حقيقية عند وقوع الخطر المشمول بالتغطية. أما إذا تحولت التجربة بالنسبة للمستهلك إلى شعور مستمر بأنه يدفع عند شراء الوثيقة، ثم يتحمل أثر الحادث بصورة غير مباشرة عند التجديد، فإن الثقة في الغاية من التأمين تصبح محل تساؤل.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن كل زيادة في الأسعار غير مبررة؛ فالتسعير يرتبط بعوامل فنية واكتوارية متعددة، كما أن شركات التأمين تعمل ضمن أطر تنظيمية ورقابية. لكن حق المستهلك في معرفة أسباب ارتفاع التكلفة، وحدود مسؤوليته، وآلية احتسابها، يبقى حقًا أصيلًا في سوق يسعى إلى المنافسة والشفافية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى رقابة مستمرة على السوق، ليس بهدف الإضرار بشركات التأمين أو تحميلها ما لا تحتمل، وإنما لضمان معادلة تحفظ حقوق جميع الأطراف: شركة قادرة على الاستمرار، ومستهلك قادر على الحصول على الحماية دون أن تتحول الوثيقة إلى عبء يفوق قدرته المالية.
فالتأمين لم يُشرع ليكون مجرد التزام نظامي، ولا ينبغي أن يتحول في نظر المواطن إلى فاتورة مفتوحة لا يعرف أين تنتهي.
المطلوب ليس إلغاء التأمين، بل إعادة بناء الثقة به؛ ليبقى درعًا عند وقوع الخطر، لا سببًا لعبء مالي جديد.
والسؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحًا:
إذا كان المواطن يؤمّن نفسه من مفاجآت المستقبل… فمن يؤمّنه من كلفة التأمين نفسها؟
بقلم المستشار : احمد بن هبة علي هادي


تعليق واحد