آسف… كلمةٌ تُصلح ما أفسده الغضب، ولا تُقال لقليل الأدب..
المقالات : علي بن إدريس المحنشي
(آسف) ليست مجرد ثلاثة حروف، بل هي كلمة تحمل من القوة ما قد تعجز عنه الخُطب الطويلة، إذا خرجت من قلبٍ صادق، وعقلٍ ناضج، ونفسٍ متواضعة.
هناك كلماتٌ تبني، وكلماتٌ تهدم، وكلمة (آسف) من الكلمات التي إذا قيلت بصدق، جاءت كالسيل الجارف، تجرف ما قبلها من خصومة، وتغسل ما تراكم في القلوب من جفاء، وتمحو كثيرًا من آثار الزلل. فهي ليست اعترافًا بالضعف، بل إعلانٌ عن قوة النفس، ورقي الأخلاق، وشجاعة الاعتذار.
ولولا أن الله جعل في النفوس بابًا للتوبة، وفي القلوب بابًا للعفو، لما استقامت حياة، ولا دامت مودة، ولا بقيت علاقة. فكم من بيتٍ كاد أن ينهار، فأعادته كلمة (آسف) . وكم من صداقةٍ أوشكت أن تنتهي، فأحيتها كلمة (آسف) وكم من خصومةٍ امتدت سنوات، فانتهت بأسف صادق.
بل إن كثيرًا من المآسي التي نسمع عنها اليوم، من قطيعةٍ، أو شجارٍ، أو اعتداءٍ، أو حتى جرائم قتل وقعت في لحظة غضب، كان يمكن أن تتوقف في بدايتها لو خرجت من المخطئ كلمة (آسف) ووجدت في الطرف الآخر قلبًا يتسع للعفو، ونفسًا تُقدّر قيمة الاعتذار. فكم من أزمةٍ كبرت لأن الكبرياء منع الاعتذار، وكم من خصومةٍ استمرت لأن العفو غاب، فاجتمع عنادُ المخطئ مع قسوةِ المجني عليه، فكانت النهاية مؤلمة.
إن الاعتذار الصادق لا يُنقص من قدر صاحبه، بل يرفعه في أعين العقلاء، لأن الكبار هم الذين يملكون شجاعة الرجوع إلى الحق، ويؤمنون أن الكرامة لا تُصان بالمكابرة، وإنما تُصان بحسن الخلق، ولين الجانب، وصدق النية.
لكن… انتبه.
ليست كل يدٍ تستحق أن تمد إليها اعتذارك، وليس كل قلبٍ يقدّر قيمة كلمة (آسف) . فهناك من يرى اعتذارك ضعفًا، وتسامحك هوانًا، ولينك بابًا للإساءة المتكررة. وهنا يصبح الاعتذار في غير موضعه خسارةً للهيبة، واستنزافًا للكرامة، وإعانةً للطرف الآخر على التمادي والتعالي..
الاعتذار خُلُق، لكنه ليس استسلامًا. والتواضع فضيلة، لكنه لا يعني أن تسمح لأحد أن يدوس كرامتك أو يعبث بمكانتك. فالعاقل يعتذر إذا أخطأ، ويعفو إذا قَدَر، لكنه يعرف أيضًا متى يحفظ كرامته، ومتى يغلق الباب أمام من لا يعرف للود قيمة، ولا للاعتذار منزلة.
ولذلك قيل: الاعتذار الجميل يداوي الجراح، أما الاعتذار المتكرر لمن لا يقدّرك، فيفتح جراحًا جديدة.
قال الله تعالى:
(وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ)
وقال رسول الله ﷺ:(كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون.)
ومن جميل الحكم:
(الاعتذار الصادق لا يُسقط الهيبة، بل يرفع المهابة، لأن النفوس الكبيرة لا تستحي من الرجوع إلى الحق.)
ختاماً…
قل (آسف) إذا أخطأت، فذلك دليل نُبلٍ لا ضعف، وقلها لمن يعرف قيمتها، ويصون معناها، ويحفظ مكانتها. أما من يجعل من اعتذارك وسيلةً لإذلالك، فلا تمنحه من كرامتك ما لا يستحق، فالنفوس الكريمة تعتذر عن الخطأ، لكنها لا تعتذر عن كرامتها.
وتذكّر دائمًا أن الاعتذار لا يُعيد الزمن إلى الوراء، لكنه قد يمنع مستقبلًا مليئًا بالندم. وكلمة (آسف) إذا جاءت في وقتها قد تُنقذ قلبًا، وتحفظ أسرة، وتمنع خصومة، وتغلق باب فتنة، أما إذا تأخرت حتى تضيع الحقوق وتتكسر القلوب، فقد تصبح كلمةً لا تجد أذنًا تسمعها، ولا قلبًا يقبلها.
بقلم الإعلامي والكاتب : على بن ادريس المحنشي

إرسال التعليق