بوصلة الروح: بين لُجج البحر ونداء الجنان
المقالات : أحمد هبة
في قلب الصخر الجامد تنبض الحياة، وفي باطن الأرض تستقر المعادن التي تحمل أسرار الهداية؛ هكذا خُلق الكون، محكماً لا خلل فيه، ومُسخراً لخدمة الإنسان الذي يمضي في هذه الدنيا كما تمضي السفينة في غمرة المحيط.
وكما أن السفينة، في اتساع الأفق وتشابه الأمواج وتلاطم الظنون، تظل تائهةً بلا دليل، فإنها لا تجد مأمنها إلا حين تقرُّ عينُ ربانها على تلك القطعة النحاسية الصغيرة؛ البوصلة. تلك التي رغم ضآلة حجمها، تملك بصريرةٍ حديديةٍ لا تخطئ، تشير دوماً إلى “الشمال”، لا لتغوي السفينة ببريق الموانئ القريبة، بل لترشدها بالمسار القويم الذي يضمن النجاة من دمار الشعاب، والوصول إلى بر الأمان.
وإذا ما قسنا هذا التشبيه على مسيرة الإنسان، وجدنا أن للروح بوصلةً لا تقل دقةً وإعجازاً، بل هي أعظم شأناً؛ إنها القلب الموصول، والعقل المستنير.
إن القلب في صدر الإنسان النقي، هو مستودع البوصلة الربانية؛ هو الفطرة التي لا تحيد عن الحق، والضمير الذي لا يغفل عن مراقبة الخالق. ولكن، كما تحتاج البوصلة إلى بيئة لا تشوش فيها المجالات المغناطيسية الخارجية، يحتاج قلب الإنسان إلى “التقوى” ليظل محتفظاً بدقته في توجيه البوصلة. فالتقوى هي صقالةُ الروح التي تنقيها من صدأ الغفلة، وتجعل من القلب مرآةً صافيةً لا ترى إلا وجه الحقيقة.
وعلى الضفة الأخرى، يأتي العقل، ليقوم بدور الملاح الحكيم. فإذا كان القلب هو “المغناطيس” الذي يشير إلى الوجهة، فإن العقل هو “القراءة” الواعية التي تحلل المسار، وتتدبر الآيات، وتفهم سنن الله في الخلق. إن العقل بلا قلبٍ يغدو مادةً صماء، والقلب بلا عقلٍ يغدو عاطفةً متهورة. وحين يلتقي الاثنان في جوهر الإنسان، يتحد الطهرُ مع الحكمة، ليشكل كلاهما بوصلةً تنبض بالسكينة، تقود صاحبها وسط عواصف الشهوات ومغريات الدنيا إلى ضفاف “الجنان”.
إن المؤمن الذي يستقر في أعماقه هذا التناغم بين نقاء القلب ورشاد العقل، لا يخشى ضياعاً، ولا يرهبه تلاطم أمواج الفتن. هو يعلم أن حياته رحلة، وأن غايته ليست في المتاع الزائل، بل في “رضى الرحمن”. وكما تعود البوصلة إلى اتجاهها الحق مهما تلاعبت بها الأيدي أو تغيرت الزوايا، كذلك يعود القلب التقي إلى الله، لا يثنيه عن هدفه طمع، ولا يصدّه عن طريقه هوى.
فيا أيها المسافر في سفينة العمر، احفظ بوصلتك من الصدأ، وطهّر مجالك الروحي من كل ما يعكر صفو الفطرة، واجعل عقلك مشكاةً يضيء بها دروب الحق. فما البوصلة في البحر إلا مَثلٌ مضروب، أما بوصلة الروح فهي التي تُحدد مصير الإنسان في الدنيا، وتكتب له النجاة والفوز في دار المقر.
بقلم عضو المجلس الاستشاري : أحمد بن هبه بن علي هادي

إرسال التعليق