المتقاعدون… فريسة المحتالين في خريف العمر
المقالات : أحمد عباس معافا
من خلال ما نشاهده ونسمعه، بل ومن واقع تجربة يعيشها كثير من المتقاعدين وكبار السن — وأنا أحدهم — باتت هذه الفئة تقضي جزءًا من سنواتها الأخيرة وسط تحديات مؤلمة، يتصدرها الابتزاز المالي وعمليات النصب والاحتيال التي تأتي أحيانًا من القريب قبل البعيد.
لقد أصبح الابتزاز المالي اليوم خطرًا اجتماعيًا واقتصاديًا متزايدًا، يهدد شريحة أفنت أعمارها في خدمة الوطن، وأسهمت لعقود طويلة في البناء والتنمية والعمل والعطاء.
فالمتقاعدون وكبار السن هم من أكثر الفئات التي تستحق التقدير والحماية والرعاية والاحترام، غير أن الواقع المؤلم يكشف أنهم أصبحوا هدفًا مباشرًا لعمليات الاحتيال المتنوعة، سواء عبر الاتصالات الهاتفية، أو الرسائل الإلكترونية، أو وسائل التواصل الاجتماعي، بل وقد يمتد الأمر أحيانًا إلى أشخاص مقربين يستغلون الثقة أو الحاجة أو ضعف القدرة على المواجهة.
وخطورة هذه الجرائم لا تقف عند حدود خسارة الأموال فقط، بل تمتد إلى آثار نفسية واجتماعية عميقة، قد تسلب الإنسان ما تبقى له من شعور بالأمان والاستقرار، وتدفعه إلى القلق المستمر وفقدان الثقة بالآخرين، وربما العزلة والانكسار النفسي.
ويتساءل الكثير: لماذا يستهدف المحتالون كبار السن والمتقاعدين أكثر من غيرهم؟
والإجابة تكمن في عدة عوامل يستغلها ضعاف النفوس، أبرزها:
- وجود دخل ثابت يتمثل في الراتب التقاعدي.
- الثقة الزائدة وحسن النية في التعامل مع الآخرين.
- محدودية المعرفة التقنية لدى البعض.
- العزلة الاجتماعية التي تجعل الضحية أكثر قابلية للتأثر.
- الرغبة الفطرية في مساعدة الآخرين دون شك أو تردد.
أما أكثر أساليب الاحتيال والابتزاز انتشارًا فهي متعددة، ومن أبرزها:
انتحال صفة الجهات الرسمية عبر اتصالات ورسائل مزيفة للحصول على البيانات البنكية أو الشخصية.
الاحتيال العاطفي من خلال بناء علاقات وهمية لاستنزاف الضحية ماديًا.
الاستثمار الوهمي عبر مشاريع خيالية وأرباح مضاعفة خلال أيام، مدعومة بصور وأرقام مزيفة، ثم يختفي المحتال فور تحويل الأموال.
الابتزاز الإلكتروني بالحصول على صور أو معلومات شخصية ثم تهديد الضحية بنشرها مقابل المال.
النصب باسم الجوائز والهدايا بإبلاغ الشخص بأنه فاز بمبلغ مالي أو سيارة أو رحلة، ثم مطالبته بدفع رسوم أو مشاركة بياناته البنكية.
الاستغلال العائلي وهو من أخطر الأنواع وأكثرها إيلامًا، حين يتعرض بعض المتقاعدين لضغوط من مقربين أو أفراد من الأسرة للحصول على رواتبهم أو ممتلكاتهم، وقد يصل الأمر إلى السيطرة الكاملة على دخل المتقاعد دون رضاه.
إن حماية المتقاعدين وكبار السن ليست مسؤولية فردية فحسب، بل مسؤولية مجتمعية مشتركة تبدأ بالتوعية، وتعزيز الثقافة المالية والرقمية، وتشديد الرقابة على المحتالين، وتوفير أنظمة حماية تحفظ لهذه الفئة الكريمة كرامتها وأمانها.
فمن أفنى عمره في خدمة الوطن… يستحق أن يعيش ما تبقى من عمره آمنًا مكرمًا، لا ضحيةً لمحتال أو فريسةً لجشع الآخرين.
إذا كان المجتمع يقاس بمدى احترامه لكباره… فإن حماية المتقاعدين اليوم أصبحت واجبًا لا يقبل التأجيل.

بقلم الإعلامي والكاتب : احمد عباس معافا

إرسال التعليق