×

سيمفونيةُ الرُّوحِ في مِحراِبِ الصَّبر

المقالات : أحمد بن هبة


في مَسالكِ الحياةِ الوَعرة، وبينما يَنشغلُ النَّاسُ بضجيجِ مَطالبهم، يبرزُ صنفٌ من البشرِ فُطِروا على السَّكينةِ والترقّي؛ أولئك الذين يحملون في صدورهم أثقالَ جبالٍ من الهموم، لكنهم لا يَبثُّون لوعتهم إلا لِمَن لا يَخيبُ الرَّجاءُ فيه. إنَّ أعظمَ صورِ النُّبلِ ليست في الظُّهورِ بمظهرِ القويِّ المُعافى من الشُّجون، بل في تلكَ القدرةِ العجيبةِ على أن تَكون بلسماً لجروحِ الآخرين، بينما أنتَ تُداوي نَزيفَ رُوحِكَ في خَلوةِ التَّقوى، بعيداً عن أعيُنِ الخَلقِ وبَصائرهم.
إنَّ هذا السُّلوك ليس مجردَ خُلقٍ رَفيع، بل هو مَقامٌ مِن مقاماتِ الإيمان؛ فالمؤمنُ الحُرُّ هو الذي يملكُ نَفسَهُ عند الغَضب، ويحتوي قَلبَهُ عند الحُزن. فأن تَكونَ في ذِروةِ مَعركتِكَ الخاصّة—حيثُ تَعصفُ بكَ الحيرةُ أو يَنهشُكَ الألم—ثم تلتفتُ لتمسحَ دمعةَ أخيكَ، أو تَجبرَ كسرَ صديقٍ، أو تَبذلَ كلمةً طيّبةً تُضيءُ عَتَمةَ دَربِ غيرك، فهذا هو “الإيثارُ الروحيّ” الذي أثنى اللهُ عليه في محكمِ التنزيل: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾. وبذلك يرتقي مَن يُخفي حُزنَهُ ليُهديَ الفرحَ لغيره فوقَ بَشريتِهِ المَحضة، ليُلامسَ مَعاني الرُّقيِّ الإنسانيّ الذي تَنشدهُ الفضيلة.
ولِهذا النُّبلِ سِرٌّ يكمنُ في الكِتمان؛ فالشَّكوى للخَلقِ -وإن كانت مُباحة- كثيراً ما تَسلبُ العَبدَ لذَّةَ الانكسارِ بين يَدَي الخالق. وحينَ تَخوضُ مَعركتَكَ الخاصّة في صَمت، فإنَّكَ تُحوّلُ ألمَكَ إلى “مَشروعٍ روحانيّ” تتقرّبُ به إلى الله، كأنَّكَ تقولُ لربِّكَ في خَلوتِك: “يا ربّ، حُزني لا يَراهُ أحد، فقد اكتفيتُ بعلمكَ بِي”. وهذا التَّعفّفُ هو سَنامُ النُّبل، وهو الذي يَجعلُ صاحبَهُ عَزيزَ النَّفسِ في عُيونِ النَّاس، وعظيماً في ميزانِ السَّماء.
فليست الفضيلةُ مَوهبةً يُولدُ بها الإنسان، بل هي غَرسٌ يَسقيهِ المرءُ بمجاهدةِ نَفسه. فلا تظنّوا أنَّ أولئك الذين يبتسمون في وُجوهكم وسطَ عَواصفِهم هم أناسٌ بلا قُلوب، بل هم أصحابُ قُلوبٍ مَليئةٍ بالرَّحمة، آثروا أن يَبنوا جُسوراً للنَّاسِ حتى وهم في مَرحلةِ “تَرميمِ أرواحهم”. فلتكن نَواياكم مِسكاً، وصَبركم سِراً، وعطاؤكم نُبلاً يَفيضُ على مَن حَولكم، فواللهِ ما جُبِرَ كَسرٌ، ولا مُسِحت عَبرةٌ، إلا وأَثابَ اللهُ صَاحبَها بِمِثلِ ما أعطى وأكثر؛ تظلُّ هذه القِيَمُ رؤيةً أدبيةً بريشةٍ رقمية، نخطُّها بمدادِ الإيمانِ لِنُضيءَ بها عتمةَ دُروبِ التائهين، ونتركها أثراً طيباً في صُحفِ الأيام، لعلَّها تكونُ شاهداً لنا لا علينا في يومٍ لا يَنفعُ فيهِ مالٌ ولا بَنون.



بقلم عضو المجلس الاستشاري : أحمد بن هبه بن علي هادي

إرسال التعليق