×

فوز فريق… وخسارة رفيق


المقالات : علي بن إدريس المحنشي


التشجيع الرياضي في أصله مساحةٌ جميلة للمتعة، ولغةٌ مشتركة تجمع الناس على الحماس وروح المنافسة الراقية، لكنه أحيانًا يتحول – مع التعصب والانفعال – إلى سببٍ للخلاف والجفاء، فتتأثر العلاقات بين الأصدقاء، وتمتد آثاره إلى الأسرة ومجالس المحبة والعمل والدراسة.
فكم من علاقةٍ أفسدتها مباراة، وكم من صديقين تبدلت بينهما لغة الود إلى القسوة بسبب اختلاف الميول الرياضية، وكم من مجلسٍ كان عامرًا بالألفة، فأصبح ساحةً للمهاترات والسخرية والتجريح.
الاختلاف لا يفسد المودة
اختلاف الانتماءات الرياضية أمرٌ طبيعي، فالناس يختلفون في الأذواق كما يختلفون في الطباع، لكن الإنسان الواعي يدرك أن قيمة المرء لا تُقاس بالفريق الذي يشجعه، بل بأخلاقه عند الفوز، واتزانه عند الخسارة.
قال الله تعالى:
(وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)
فحسن القول خُلُقٌ مطلوب في كل الأحوال، سواء في الاتفاق أو الاختلاف، في الجد أو المزاح. كما قال سبحانه:
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)
فلا يليق أن تهدم مباراةٌ عابرة ما بنته الأخوة من محبة ومودة.
الرياضة أخلاق قبل النتائج
قال النبي ﷺ:
“ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب”
وهذا الحديث يرسخ معنى عظيمًا؛ فالقوة الحقيقية ليست في رفع الصوت أو الانتصار للهوى، بل في القدرة على ضبط النفس عند الانفعال.
لا بأس أن تفرح بفوز فريقك، لكن المؤسف أن يربح الفريق ويخسر المشجع احترامه ووقاره. فبعض المشجعين إذا فاز فريقهم بالغوا في السخرية من الآخرين، وإذا خسروا أطلقوا العبارات الجارحة والتهم، لتنتهي المباراة في الملعب بينما تبقى آثارها المؤلمة في القلوب.
رسالة إلى المشجع الواعي
تذكّر دائمًا أن الرياضة وسيلة للمتعة، لا معولًا لهدم العلاقات، وأن الفريق الذي تشجعه قد يخسر اليوم ويفوز غدًا، أما القلوب إذا انكسرت فقد لا تعود كما كانت.
اجعل تشجيعك راقيًا، وفرحتك مهذبة، ونقاشك لطيفًا، وكن ممن إذا اختلفوا ازدادوا احترامًا، وإذا تحاوروا ازدادت بينهم المودة.
ختامًا
المباريات لحظاتٌ عابرة، أما الأخوة والمحبة فهي كنزٌ باقٍ لا يُقدَّر بثمن. والبطولة الحقيقية ليست في انتصار فريقك فقط، بل في حفاظك على أخلاقك، وكسبك لمحبة من حولك مهما اختلفت الألوان والشعارات.
فلا تجعل شعار النادي أكبر من قيمة الإنسان، ولا تسمح لنتيجة مباراة أن تهزم فيك سمو الخلق وجمال الروح.

بقلم الإعلامي والكاتب : علي بن إدريس المحنشي

إرسال التعليق