×

الجليس… إمّا رفعةٌ وتأسيس، أو عثرةٌ وتدنيس

المقالات : علي بن إدريس المحنشي

الجليس ليس مجرد رفيق وقت، بل مرآةُ روح، وصدى فكر، وبوابةٌ خفية تتسلل منها الطباع إلى القلب دون أن نشعر. فكثيرًا ما يظن المرء أنه يختار جلساءه للتسلية أو المؤانسة، بينما الحقيقة الأعمق أن الجليس مع الأيام يصوغ شيئاً من شخصيته، ويترك بصمته على منطقه، وسلوكه، ونظرته للحياة. ومن هنا جاء المثل الشهير: “شنٌّ وافق طبقه”، في إشارةٍ بليغة إلى أن الأرواح تميل إلى أشباهها، والطباع تنجذب إلى ما يشاكلها.

لقد نبّه القرآن الكريم إلى أثر الصحبة حين قال الله تعالى:
(الأَخِلّاءُ يَومَئِذٍ بَعضُهُم لِبَعضٍ عَدُوٌّ إِلَّا المُتَّقينَ)
فليست كل صحبةٍ نجاة، بل قد تتحول بعض الصداقات يوم القيامة إلى حسرة وعداوة، إلا صحبة الخير التي بُنيت على التقوى.

وقال النبي ﷺ:
“المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل.”
حديثٌ عظيم يختصر فلسفة العلاقات كلها؛ لأن الصاحب ليس مجرد شخصٍ بجوارك، بل أثرٌ يتسلل إليك، إما أن يرفعك إلى معالي الأمور، أو يهبط بك إلى دروب الغفلة.

وفي الحديث الآخر:
“مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير…”
فالصالح إمّا أن يمنحك خيرًا، أو يترك فيك أثرًا طيباً، أما السوء فإما أن يحرقك بفعله، أو يؤذيك بأثره.

وقد قيل في الحكمة:
“قل لي من تصاحب، أقل لك من أنت.”
فالجليس عنوانٌ خفيّ لشخصيتك، ودليلٌ على ميولك؛ لأن الأرواح لا تركن إلا لما يشبهها.

وقال الشاعر:
عنِ المرءِ لا تَسَلْ وسَلْ عن قرينِهِ .. فكلُّ قرينٍ بالمقارَنِ يقتدي

فكم من إنسانٍ كان نقيّ السريرة، فغيّرته صحبة السوء حتى تاه، وكم من شخصٍ ارتقى بصحبة الحكماء حتى أصبح منارةً يُهتدى بها. فالجليس قد يكون بابًا إلى الجنة حين يذكّرك بالله، ويشدّك إلى الخير، ويقوّم اعوجاجك بلطف؛ وقد يكون باباً إلى الخسارة حين يزيّن لك الخطأ حتى تألفه، ويقودك إلى الزلل حتى تظنه سبيلاً.

لذلك، لا تبحث عن جليسٍ يملأ وقتك فقط، بل عن جليسٍ يرفع قدرك، ويصون غيابك، ويهذّب حضورك، ويضيف إلى روحك نوراً. فالحياة أقصر من أن نقضيها مع من يطفئون أرواحنا، وأثمن من أن نهدرها مع من يجرّوننا إلى ما لا يشبه قيمنا.

ختاماً….
اختر جليسك كما تختار طريقك؛ فإن بعض الطرق تنتهي إلى الرفعة و النور، وبعضها يقود إلى الويل والثبور. وكذلك الجلساء: إمّا سموٌّ وحضور، أو سقوطٌ وفتور.

بقلم الإعلامي والكاتب : علي بن إدريس المحنشي

تعليق واحد

comments user
بيان حمود

مبدع استاذنا الغالي

إرسال التعليق