×

وهم “الإخلاص الزمني الصوري”

المقالات : سعيد مسروح

تسود في بعض بيئات العمل ثقافة مغلوطة تربط بين طول ساعات العمل ومدى التفاني والإنجاز، وكثيراً ما نجد في السلم الإداري من يتفاخر بمغادرة المكتب في ساعة متأخرة، معتبراً ذلك “وسام استحقاق” يثبت جدارته، بينما الحقيقة الإدارية الحديثة تشير إلى عكس ذلك تماماً، معتقداً أن البقاء المتأخر دليلاً على الكفاءة، حيث أنه في الغالب جرس إنذار يكشف عن خلل في المنهجية المهنية.
وهذا بطبيعة الحال ليس إنجازاً، بل غالباً هو لأسباب منها:
سوء إدارة للوقت، أو ثقافة إدارات تكافئ الظهور لا النتيجة، أو محاولة لشراء الانطباع بدل صناعة الأثر، ولذلك يجب زرع ثقافة الاحترافية تُقاس بما تُنجزه داخل الوقت، لا بعده.

ومن هذا المنطلق يتبين أن الإصرار على البقاء في المكتب بعد انقضاء ساعات الدوام الرسمية ليس دليلاً على غزارة الإنتاج، بل هو في الغالب مؤشر خطير وذلك لإعتلال إدارة الوقت لدى بعض القيادات حيث يتضح جلياً للموظفين عدم القدرة لدى هذا القائد أو الموظف على ترتيب الأولويات وإنجاز المهام ضمن الإطار الزمني المحدد، وغالباً ما يعكس فوضى في التخطيط أو عجزاً عن التعامل مع المشتتات خلال اليوم بمهام الغير أو التطفل بعمل الغير ظناً منه أنه يساعد في حل بعض الاعمال المتأخرة لديه.

ولو توسعنا في ثقافة “الحضور الصوري لدى بعض القادة لوجدنا أنه يسبب خلل في معايير التقييم، حيث تُكافئ الموظف الذي “يراه الجميع” جالساً خلف مكتبه، بدلاً من الموظف الذي “يلمس الجميع” أثر عمله، هذه الثقافة تقتل الإبداع وتشجع على التراخي خلال ساعات النهار الرسمية.

ثم بالانتقال للسبب الثالث من صناعة الانطباع الزائف نكتشف أن البعض يلجأ لإستراتيجية “شراء الانطباع” عبر الإيحاء بالانشغال الدائم، وكثرة المعاملات على طاولة المكتب وفي بعض الاوقات يقيم الصلاة متأخرة بمكتبه عوضاً عن عدم التقيد بالزي الرسمي وذلك كآلية دفاعية للتعويض عن ضعف المخرجات الحقيقية،
هنا يصبح الوقت وسيلة لتجميل الصورة الذهنية لا لتحقيق
نتائج ملموسة.

الاحترافية هي “الأثر” لا “الوقت” والقيمة تكمن في الجودة والنتيجة وليس في عدد الساعات المستهلكة، والقائد والمدير الناجح هو من يستطيع إنهاء التزاماته والعودة لمنزله في الوقت المحدد، لأنه يمتلك السيطرة الكاملة على وقته ومهامه.

لـذا ببساطة،، فلسفة الإدارة الحديثة ترى في “الإرهاق” علامة سوء تخطيط لا علامة تفانٍ ، والتباهي بالبقاء في المكتب هو في جوهره اعتراف ضمني بالعجز عن ضبط إيقاع العمل، والكفاءة هي الاحترافية الحقيقية في أن تنجز أقصى طموحاتك في أقل وقت ممكن، لتعود إلى حياتك الخاصة متوازناً وقادراً على العطاء في اليوم التالي بذات الحماس والتركيز.

بقلم الإعلامي والكاتب : سعيد مسروح

إرسال التعليق