×

‏بين سندان العقاريين ومطرقة البنوك.

المقالات : د / حسين الفيفي

‏كثير من الناس خصوصاً الشباب يُغرُقون أنفسهم في الديون والأقساط حتى يعجزوا عن سدادها؛ هذه حالة حقيقة لأحد الشباب:
‏الراتب: 9367 ريال
‏قرض عقاري: 5767 ريال
‏قرض شخصي: 2356 ريال
‏نفقه: 1200 ريال
‏فقد قام بشراء عقار (فلة) عن طريق أحد البنوك ثم استخرج تمويل عن طريق شركة تمويلية لتأثيث البيت، ثم انفصل عن زوجته بأسباب الديون وكثرة المشاكل ومعهم طفلان وعليه حكم بنفقة لولديه.
‏والآن يكد ويداوم حتى نهاية الشهر وإلتزاماته المالية أكثر من راتيه.
‏وللأسف هذا حال كثير من الناس، وبرامج التواصل تعج بمثل هذه الحالات.
‏وكثير ممن اشترى هذه الفلل ندم ولات حين مندم، يرى هو وزوجته تلك الفلل الكرتونية المزركشة والمزخرفة فيشتري، ولا يبالي بالإلتزامات والاقساط التي تأخذ أكثر من نصف راتبه ومدة سدادها تصل إلى عشرين سنة أو أكثر أو أقل.
‏والبنوك والمصارف وشركات التمويل والتقسيط تفرح بمثل هؤلاء، بل لديها أساليب في جذب الزبائن والعملاء، وقد فرغت موظفين خصوصاً من الجنس الناعم لإغراء الناس وإيقاعهم في فخ الأقساط، وتتصل بالعملاء الذين ليس عليهم أقساط وتغريهم، ولا ننسى شركات التقسيط التي انتشرت وأصبح لها رواجاً في السوق؛ مثل (تابي وتمارا) التي أغرقت الناس في الديون.
‏فأصبح الناس يشترون أغراضهم اليسيرة عن طريق التقسيط، حتى الوجبات من المطاعم، والملابس والمواد الغذائية، فهذه الشركات أغرقت الناس في الديون حتى النخاع.
‏حتى لو قال قائل بأن هؤلاء الناس والعملاء إنما تعاملوا مع هذه البنوك والشركات باختيارهم، فهذا ليس مبرراً وعذرا لتلك الشركات باستغلال الناس وجذبهم وإغراءهم، وهذا أيضاً يقتضي أن يتكلم العقلاء والناصحون في المجتمع عن جشع هذه الشركات وعن مغبة الوقوع في الديون والأقساط، وأن تضع الجهات الحكومية حداً لهذا الاستغلال والجشع.
لقد جاءت الشريعة الإسلامية بالتشديد في أمر الدين، والتحذير منه، والترغيب في احتراز المسلم منه ما أمكنه ذلك وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ بالله من الدين، ومن المأثم والمغرم، والمغرم هو الدين، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين) وثبت كذلك في الأحاديث الصحيحة بأن المؤمن مرتهن بدينه، وأن العبد إذا استدان وعد فأخلف وحدث فكذب. وقال ابن عمر رضي الله عنهما: يا حمران ! اتق الله ولا تمت وعليك دين ، فيؤخذ من حسناتك ، لا دينار ثَمَّ ولا درهم. والأحاديث والآثار في هذا المعني كثيرة
ولم يأت كل هذا التشديد في أمر الدين إلا لما فيه من المفاسد على مستوى الفرد وعلى مستوى المجتمع، لذا فإن الواجب على المسلم الابتعاد عن الدين ما استطاع سواء كان أقساطاً أو غيره، وأن يقتنع بما رزقه الله ومهما رآه قليلاً فإنه مع التدبير والاقتصاد وحسن التصرف سيكفي وسيبارك الله فيه وقد ورد في أثر عن علي رضي الله عنه: (التدبير نصف المعيشة) فحسن إدارة المال والاقتصاد في الإنفاق يعدل في أهميته كسب المال نفسه تدل على أن تنظيم المصاريف والعيش بحدود الدخل، وتجنب الإسراف، هو الأساس لضمان حياة مستقرة وهنيئة، حيث أن المال الكثير قد يضيع بلا تدبير.
وللأسف أن كثيراً من الناس ليس لديه تدبير ولا جسن تصرف، بل إغراق في الكماليات وبذخ زائد ومنافسة للأثرياء، فليس هناك ترتيب للأوليات، وكلما وجد من فرصة لأخذ تمويل فإنه لا يتردد فأغرقوا أنفسهم في الديون.

‏أخيراً:
‏نصيحتي لمثل هذا الشاب صاحب الرسالة؛ اقتنعوا بما رزقكم الله، واكتفوا بما قسم الله لكم، وكما يقول العامة (مد رجلك على قد لحافك) ولا تقع في وحل الديون والأقساط فهو ذل في النهار وهمٌ في الليل، وعاقبته الندم.

بقلم فضيلة الشيخ الدكتور / حسين حسن احمد المشنوي الفيفي

تعليق واحد

comments user
يحيى المقرعي

لقد أجاد فضيلة الدكتور حسين حسن وأصاب كبد الحقيقة، حين خطّ هذه الكلمات التي تنبض صدقًا وتفيض غيرةً على أحوال الناس، فجاء مقاله كمرآة صادقة تعكس واقعًا مُرهقًا يرزح تحته كثير من الشباب، بين طموحٍ مشروع، واندفاعٍ غير محسوب، حتى أصبح الدين قيدًا يثقل كواهلهم، لا وسيلةً لتحقيق الاستقرار كما كانوا يظنون.

وإذا تأملنا ما ورد في هذا الطرح، نجد أنه لم يكن مجرد سردٍ لحالة عابرة، بل تشخيصٌ دقيق لخللٍ أعمق؛ خللٍ في ميزان الأولويات، حين تُقدَّم المظاهر على الضرورات، ويُستبدل التدرّج بالقفز، ويُغيب العقل أمام بريق الإعلانات وزخرف العروض. فذلك الشاب الذي أُثقل كاهله بالأقساط لم يكن ضحية رقمٍ في عقد، بل ضحية ثقافةٍ استهلاكية تُغريه بأن يملك كل شيء الآن، ولو على حساب مستقبله واستقراره.

ثم إن المقال لامس جانبًا لا يقل خطورة، وهو ما تمارسه بعض الجهات التمويلية من أساليب جذبٍ تتجاوز حدود التوعية إلى صناعة الرغبة، واستدراج الناس نحو التزاماتٍ طويلة الأمد، تُلبَّس ثوب التيسير وهي في حقيقتها بابٌ للتقييد. ومع ذلك، فإن المسؤولية لا تقع على طرفٍ دون آخر، بل هي شراكة بين من يُغري، ومن يندفع، وبين عقلٍ غاب عنه التدبير، ونفسٍ لم تقنع بما قُسم لها.

ويأتي التأصيل الشرعي في المقال ليضع المسألة في موضعها الحقيقي، فالدَّين ليس شأنًا ماليًا فحسب، بل هو همٌّ بالليل، وذلٌّ بالنهار، كما وصفه السلف، وهو عبءٌ يمتد أثره إلى ما هو أبعد من الدنيا، مما يجعل الحذر منه ضرورةً لا ترفًا، والتقليل منه حكمةً لا ضعفًا.

إن هذا المقال رسالة وعي قبل أن يكون نقدًا، ودعوة مراجعة قبل أن يكون لومًا، يذكّرنا بأن البركة ليست في كثرة ما نملك، بل في حسن ما ندبّر، وأن القناعة ليست حرمانًا، بل أمان، وأن من مدّ رجله على قدر لحافه، عاش مستورًا هانئًا، ومن جاوزه، تعثّر في دروب القلق والندم.

فشكر الله لفضيلة الدكتور هذا الطرح الواعي، وهذه الكلمات التي تضع اليد على الجرح، وتفتح باب التأمل لكل من أثقلته الأقساط، أو كاد أن يسلك هذا الطريق.

إرسال التعليق