خارج البيت مِعطاء.. وداخله شقاء
المقالات : علي بن إدريس المحنشي
أولويات تُختبر لا تُقال
في مشهدٍ يتكرر كثيرًا، ترى بعض الناس حاضرًا في كل محفل، مساهمًا في كل مناسبة، كريمًا في المجالس، سبّاقًا في البذل خارج أسوار بيته… حتى يُظن أنه نموذجٌ مكتمل في المسؤولية المجتمعية. تجده شديد الاهتمام بالتزاماته الخارجية، يمنحها جلّ وقته وكامل تركيزه، ويستنزف طاقته في ترتيب شؤون الآخرين، بينما إذا اقتربت من بيته، وجدت أسرةً تفتقد هذا الحضور، وتنتظر من اهتمامه ما يمنحه للبعيد.
فبعضهم يختزل واجبه الأسري في المأكل والمشرب، ناسيًا أن الأسرة لا تحتاج فقط إلى “موفر احتياجات”، بل إلى “سندٍ وحاضن”. إنهم بحاجة ماسة لوجوده بينهم، وللحوار الدافئ معه، ولمن يستمع لشكواهم من عوائق الحياة التي تعترض مسيرتهم. فما نفع المال والوجاهة إذا غاب الأب بجسده وروحه، وترك أهله يواجهون تحدياتهم وحيدين؟
فالحياة الكريمة أوسع من سدّ الجوع؛ الأسرة تحتاج إلى لباسٍ لائق، وتعليمٍ متكامل، ومتطلبات دراسية، وشيءٍ من الترفيه المباح الذي يصنع الذكريات ويمنح الأبناء توازنًا نفسيًا وشعورًا بالاحتواء. ليس المطلوب ترفًا مفرطًا، بل عدلٌ يُشعر الأسرة أنها أولى بالمعروف، وأحقّ بالكرم وقتاً وبذلاً.
قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) فبدأ بالأهل قبل غيرهم؛ لأن الرعاية الحقيقية تبدأ من الداخل. وقال ﷺ: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)
فما قيمة تصفيق المجتمع لك إن كانت أسرتك تشعر باليتم المعنوي في وجودك؟ وما جدوى صورة الكرم في الخارج إن كان البيت يفتقد دفء الأولوية؟
إن بعض الناس يمنح الخارج صورة السخاء، لكنه في الداخل يمارس شحًّا مقنّعًا باسم “لقد وفرت لكم الأساسيات”، وكأن المشاعر، والاحتياجات التعليمية، والحوار، والاحتواء، أمورٌ كمالية لا تستحق النظر. والحقيقة أن الأسرة لا تريد إسرافًا، لكنها تستحق إنصافًا في المال والوقت والاهتمام.
(من قدّم صورته أمام الناس على حقّ أهله، خسر حيث ظنّ أنه يكسب)
فكيف يهنأ الرجل بكرمه في الخارج، بينما أبناؤه يؤجلون احتياجاتهم ويحبسون همومهم، وزوجته تقتصد في أبسط رغباتها؛ لأن ربّ الأسرة يرى أن المجتمع أولى بالمشهد، وأن الأسرة يكفيها البقاء؟
المسؤولية المجتمعية خُلُقٌ جميل، لكنها تأتي بعد أداء الواجب لا قبله. فالبيت أول ميدانٍ للبر، والأسرة أولى الناس بالإحسان، ومن قصّر في حق من يعول وتركهم يغرقون في تفاصيل معاناتهم، فلن يكتمل عطاؤه مهما اتسعت دائرة ظهوره.
ليس الكرم أن يعرفك الناس معطاءً، بل الكرم الحق أن يشعر أهلك أنك لهم وطنٌ آمن، ومرجعٌ يُلجأ إليه، قبل أن تكون للآخرين عنوانًا. فالعدل يبدأ من المنزل، والوفاء يُقاس بمن هم تحت سقفك، لا بعدد المناسبات التي حضرتها.
ختاماً….
لا تجعل أهلك يقتاتون على الضروريات، ولا يشكون إلا للفراغ، بينما ينعم الآخرون بفائض وقتك وعطائك؛ فأقرب الناس إليك هم أحقّ الناس بخيرك وحضورك.
بقلم الإعلامي والكاتب : علي بن إدريس المحنشي



إرسال التعليق