بين الانشغال والابتهال.. تولد المتعة ويصفو الحال
المقالات : على بن إدريس المحنشي
في زمن تتسارع فيه الخطى، وتتشابك فيه المهام حتى تكاد تبتلع أنفاسنا، يظن كثيرون أن المتعة ترف مؤجل، وأنها لا تليق إلا بأوقات الفراغ. لكن الحقيقة الأعمق أن المتعة ليست في فراغ الوقت، بل في امتلاء الروح.
ليست المتعة أن تنهي أعمالك فحسب، بل أن تعيشها بوعي؛ أن ترى في كل إنجاز صغير معنى، وفي كل جهد مبذول أثراً، وفي كل يوم مزدحم فرصة لصناعة حكاية تستحق أن تروى.
في زحمة الانشغال، تتوارى التفاصيل الجميلة خلف ضجيج الالتزامات، لكن القلب الواعي هو من يلتقطها: ابتسامة عابرة، دعوة صادقة، لحظة إنجاز، أو حتى سكينة خاطفة بين مهمتين؛ تلك هي المتع الحقيقية التي لا تشترى ولا تؤجل.
إن أعظم ما يسرق المتعة من أيامنا ليس الانشغال ذاته، بل غياب الحضور؛ أن نعيش اللحظة بأجسادنا، ونغيب عنها بأفكارنا. فإذا حضر القلب، صار العمل متعة، والسعي راحة، والإنجاز لذة لا تضاهى.
ولا يعني ذلك أن نثقل كاهلنا بالمزيد، بل أن نخفف نظرتنا للأشياء؛ أن نبدل الشكوى بالشكر، والعجلة بالسكينة، والضغط بالرضا. فكم من مشغول يبتسم لأنه أدرك أن ما بين يديه نعمة لا عبء.
وفي خضم هذا كله، تبقى العلاقة مع الله هي المعين الأصفى؛ فمن امتلأ قلبه بالرضا، وجد في كل حال متسعاً للطمأنينة، وفي كل انشغال باباً للأجر. قال تعالى( “فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب”) وكأنها دعوة لأن يبقى القلب عامراً وإن ازدحمت الحياة.
وقد قال ﷺ (“عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير…”) ففي كل حال معنى، وفي كل ظرف باب للرضا إن أحسن العبد النظر.
وهنا تتجلى الحكمة: ليس الانشغال ما يتعبنا، بل خواء المعنى في داخله؛ فإذا امتلأ القلب، صارت المهام متعاً، وصار السعي لذة. وصدق الشاعر حين قال:
وما نيل المطالب بالتمني .. ولكن تؤخذ الدنيا غلاباً
فلا تنتظر هدوء الأيام لتستمتع، بل تعلم أن تزرع المتعة في قلب الزحام، فالحياة لا تعطى على هيئة فراغ، بل تعاش وسط الامتلاء.
ختاماً…..
المتعة ليست في قلة الانشغال، بل في حسن العيش داخله. ومن أتقن الحضور، أدرك الجمال ولو في أكثر الأيام ازدحاماً.
بقلم الإعلامي والكاتب : علي بن ادريس المحنشي



إرسال التعليق