حين تُهمَّش الكفاءة: قصة موظف يُرى… ولا يُقدَّر
المقالات : سميرة عبدالله
في بعض بيئات العمل، لا تكمن المعاناة في ضغط المهام أو صعوبة الإنجاز، بل في ذلك الشعور الصامت الذي يتسلل إلى الداخل تدريجيًا: أن تكون حاضرًا… لكن غير مرئي.
تؤدي عملك بإخلاص، تلتزم بوقتك، تنجز ما يُطلب منك وربما أكثر، ومع ذلك لا تجد لصوتك صدى، ولا لوجودك أثر. وكأنك تؤدي دورًا صامتًا في مشهد لا يلتفت إليه أحد.
التهميش الوظيفي لا يصدر بقرار مكتوب، ولا يُعلن في تعميم رسمي، بل يبدأ بإشارات خفية تتراكم بصمت حتى تصنع واقعًا ثقيلًا.
يُستبعد اسمك من اجتماعات مهمة، يُتجاوز رأيك في قرارات تمس عملك، وتُمنح الفرص لغيرك رغم أنك الأجدر بها.
ومع مرور الوقت، يتحول هذا التجاهل إلى إحباط داخلي يتسلل إلى الحماس، ويضعف الرغبة في العطاء.
ثم تأتي لحظة الترقية… تلك اللحظة التي تُبنى عليها آمال طويلة، ويُنتظر منها اعتراف مستحق بالجهد.
لكن حين تمر من أمامك دون أن تلتفت إليك، لا يكون الألم في عدم الترقية فحسب، بل في الشعور العميق بأنك خارج دائرة الاهتمام، وكأن اسمك لم يكن حاضرًا من الأساس.
عندها، يبدأ الإحساس بالجمود؛ لا تقدم ولا تراجع، مجرد تكرار يومي بلا روح. يتحول الحضور إلى روتين، والعطاء إلى أداء آلي، ويبهت الشغف الذي كان يومًا وقودًا للحماس.
وتترسخ فكرة قاسية: أنك مجرد رقم… أو ربما “صفر على الشمال”.
ولا تتوقف آثار هذا التراكم عند حدود الإنتاجية، بل تمتد إلى الحالة النفسية.
يتسلل الشك إلى الداخل، ويبدأ الإنسان في مراجعة ذاته: هل أنا غير كفء؟ هل الخلل في أدائي؟ أم في بيئة لا ترى ولا تُقدّر؟
وهنا تكمن الخطورة… حين يصدق الإنسان صورة غير حقيقية عن نفسه، فقط لأنها انعكست أمامه مرارًا.
لكن الحقيقة التي لا بد أن تُقال:
التهميش لا يُلغي القيمة، ولا يُختصر الكفاءة.
قد تكون في المكان الخطأ، أو تحت إدارة لا تُجيد اكتشاف الطاقات، أو ضمن بيئة لا تؤمن بالعدالة المهنية.
لذلك، من الضروري الفصل بين تقييمك لذاتك، وما يُفرض عليك من تقييم غير منصف.
ليس الحل دائمًا في الصمت، ولا في الانسحاب المتسرع، بل في الوعي.
وعي الإنسان بقيمته، بحقه، وبأهمية أن يكون له حضور حقيقي.
أحيانًا يتطلب الأمر إعادة ترتيب الأولويات، تطوير المهارات، البحث عن فرص أخرى، أو حتى مواجهة هذا التهميش بأسلوب مهني يُثبت الوجود.
وقد يكون الرحيل قرارًا شجاعًا… لا هروبًا.
فالاستمرار في بيئة تستنزفك ليس صبرًا، بل استهلاك بطيء.
والانتقال إلى مكان يُقدّرك ليس مغامرة، بل استحقاق.
في النهاية، تظل القيمة الحقيقية لا تُقاس بمسمى وظيفي، ولا تحددها ترقية تأخرت أو فرصة ضاعت.
إنها تنبع من الإيمان بالذات، ومن الاستمرار في العطاء، ومن القدرة على النهوض رغم كل شيء.
الخلاصة:
لا تسمح لأي بيئة أن تقنعك بأنك بلا قيمة… فقط لأنها لم تُحسن رؤيتك، أو لأنك لا تملك “الواسطة” التي تختصر الطريق.
فدائمًا هناك مكان آخر… يراك كما أنت، ويُقدّرك كما تستحق.
بقلم الإعلامية : سميرة عبدالله معوض



إرسال التعليق