×

رجيمُ اللسان… سموُّ البيان، ورضا الرحمن

المقالات : علي بن إدريس المحنشي

ليس كل رجيمٍ يُقاس بخفّة الجسد، فهناك رجيمٌ أعمق أثرًا، وأبقى جمالًا… رجيمُ اللسان.
ذلك الذي يُهذّب الكلمة قبل أن تُقال، ويزن الحرف قبل أن يخرج، فيصون القلب من الندم، ويحفظ العلاقات من التصدّع.

إنّ اللسان نعمةٌ عظيمة، به نُعبّر ونُؤثّر، لكنه قد يكون بابًا إلى الزلل إن تُرك بلا وعي؛ فكم من كلمةٍ رفعت صاحبها، وكم من أخرى أردته حيث لا يُريد. ولهذا كان ضبط اللسان من أعلى مراتب الحكمة؛ لأن الكلمة إذا خرجت ملكت صاحبها، وإن حُبست ملكها.

وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى هذا الأدب الرفيع بقوله تعالى:
(مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) .
تذكيرٌ دائم بأن كل لفظٍ محسوب، وكل حرفٍ مرصود.

وقال النبي ﷺ:
(من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت)
ميزانٌ دقيق، يجعل الصمت عبادة إن غاب الخير، والكلمة صدقة إن حضرت.

وقد لخّصت الحكمة العربية هذا المعنى:
(لسانك حصانك، إن صنته صانك، وإن خنته خانك)
فهو إمّا أن يقودك إلى رفعةٍ ومكانة، أو يجرّك إلى ندمٍ وخسارة.

وإذا كان رجيم الأبدان هو التقليل من الطعام، فإنّ رجيم اللسان طاعةٌ للرحمن، وسموٌّ بالنفس عن الزلل، وارتقاءٌ بالروح إلى مقامات الصفاء.
رجيم اللسان ليس امتناعًا عن الكلام، بل ارتقاءٌ به… أن تختار أجمل الألفاظ، وأصدقها، وألينها.
أن تترك الغيبة، وتُعرض عن اللغو، وتبتعد عن الجدل العقيم؛ فليس كل ما يُقال يُقال، وليس كل ما يُعرف يُنشر.

إنه تدريب يومي على الوعي، حيث تُهذّب ردودك، وتُصفّي نواياك، وتُراجع كلماتك قبل أن تُحاسَب عليها. فالصامت عن الشر كالمجاهد في كفّه، والمتأنّي في حديثه أقرب إلى القبول وأدعى للوقار.

وفي زمنٍ كثُر فيه الكلام، وقلّ فيه الإنصات، يصبح رجيم اللسان علامة نُضج، ودليل رقيّ، وسِمة من سمات العقلاء.

ختاماً….
اجعل لسانك حارسًا لقلبك، لا سببًا في تعبه، وتذكّر دائمًا… أن أجمل ما يُقال ما كان فيه نفع، وأبقى ما يُترك ما كان فيه ضرر.

بقلم الإعلامي والكاتب : علي بن إدريس المحنشي

إرسال التعليق