وهمُ الوجود: إثبات الذات بالانغماس في الملذات
المقالات : علي بن إدريس المحنشي
يسعى الإنسان بطبيعته إلى إثبات وجوده في المجتمع وترك بصمته في هذا العالم، إلا أن السبل تختلف؛ فمنهم من يرى ذاته في العطاء والإنجاز بما يعود عليه بالنفع والفائدة الحقة، ومنهم من يضل الطريق فيظن أن (إثبات الذات) يتحقق بالاستجابة المطلقة لكل رغبة حسية، والانغماس الكامل في ملذات الحياة المادية. هذا التوجه، الذي يرفع شعار “أنا أتمتع إذًا أنا موجود”، غالبًا ما ينتهي بصاحبه إلى فقدان الذات لا إثباتها.
إن الانغماس في الملذات كغاية بحد ذاتها ليس إلا محاولة للهروب من الفراغ الداخلي، وهو أشبه بشرب الماء المالح؛ كلما أفرط المرء في الشرب منه ازداد عطشًا. فإثبات الذات الحقيقي يأتي من السيطرة على النفس وشهواتها وتوجيهها التوجيه السليم، لا الانقياد الأعمى لها؛ لأن النفس التي تُبنى على المتعة الزائلة تنهار عند أول اختبارٍ للشدة.
القرآن الكريم يرسم الحدود:
لقد نبّهنا القرآن الكريم إلى طبيعة النفس البشرية وميلها الفطري نحو الشهوات واللذات إذا تُرِكت دون رقابة إيمانية، يقول تعالى:
{وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ۚ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي ۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
السنة النبوية والتحذير من فتنة الدنيا:
بيّن لنا النبي ﷺ أن الإغراق في الماديات والملذات هو منبع الهلاك وضياع الهدف من الوجود، حيث قال ﷺ:
“تَعِسَ عبدُ الدِّينارِ، وَتَعِسَ عبدُ الدِّرْهَمِ، وَتَعِسَ عبدُ الخَمِيصَةِ”.
وفي هذا إشارة إلى أن من يربط قيمته وذاته بالمتع المادية (كالمال والثياب واللذات) يظل في شقاءٍ دائم.
ومن الحكمة في وصف خديعة الملذات:
“من طارد الشهوات ضاع في سرابها، ومن ملكها ملك نفسه”.
وهذا يؤكد أن إثبات الذات يكمن في “السيادة” على النفس لا في “العبودية” للمتعة.
وللشعر بصمته:
فقد لخص الشاعر أبو العتاهية حال من يظن أن السعادة وإثبات الذات في جمع اللذات والمناصب، مبينًا أن النفس لا تشبع أبدًا:
وَلَسْتُ أَرَى السَّعَادَةَ جَمْعَ مَالٍ … وَلَكِنَّ التَّقِيَّ هُوَ السَّعِيدُ
ختاماً:
إن إثبات الذات ليس استعراضًا للملذات أو انغماسًا في الشهوات، بل هو سموٌ بالروح فوق الشبهات، وقدرةٌ على الموازنة بين متطلبات الجسد وطموحات الروح. فالمتعة تنتهي بانتهاء مفعولها، أما الذات الحقيقية فهي التي تُبنى بالقيم والمبادئ القائمة على طاعة الله، والتي تبقى أثرًا خالدًا لا يمحوه الزمن.
بقلم الإعلامي والكاتب : علي إدريس المحنشي



إرسال التعليق