×

الانضباط أم الحماية؟ وجهان لقرار واحد في التعليم

المقالات : مسعود جابر الفيفي


في كل قرارٍ يُلامس الميدان التعليمي، لا يكون الجدل مجرد اختلاف في الرأي، بل انعكاسًا لقلقٍ أعمق حول مستقبل الأجيال. وبينما تتجه السياسات الحديثة نحو تعزيز حقوق الطالب وصون كرامته، يبرز تساؤل مشروع: هل نحن أمام خطوة إصلاحية متوازنة، أم بداية لتحجيم دور المعلم داخل فصله ؟
جاءت توجيهات وزارة التعليم واضحة في مضمونها الإنساني؛ منع حرمان الطالب من احتياجاته الأساسية كدخول دورة المياه أو الاستفادة من وقت الفسحة، وحظر كافة أشكال العقاب البدني أو اللفظي أو النفسي، إضافة إلى منع إخراجه من الفصل كوسيلة للعقوبة. في ظاهر هذه القرارات، تتجلى صورة التعليم الحديث الذي يضع الطالب في قلب الاهتمام، ويؤسس لبيئة آمنة تحترم إنسانيته وتعزز ثقته بنفسه.
هذا هو الوجه الأول؛ وجه الحماية. حيث لم يعد مقبولًا أن تكون المدرسة بيئة ضاغطة أو قائمة على التخويف، بل مساحة للتعلم الآمن والنمو النفسي السليم. فالطالب الذي يشعر بالأمان، يكون أكثر قدرة على التفاعل والإبداع، وأكثر استعدادًا لاكتساب المعرفة.
لكن في الوجه الآخر، يبرز صوت المعلم، متسائلًا: ماذا عن أدوات الضبط داخل الفصل؟ وهل يمكن تحقيق الانضباط دون وجود وسائل تربوية فعّالة تُمكّن المعلم من إدارة سلوك الطلاب؟ فالتعليم، في جوهره، لا ينفصل عن التربية، والتربية لا تقوم فقط على التحفيز، بل تحتاج أحيانًا إلى أساليب ضبط مدروسة تحفظ هيبة الفصل وتضمن سير العملية التعليمية.
إن تقييد صلاحيات المعلم ضمن لوائح جامدة، قد يُفقده القدرة على التعامل مع المواقف المتغيرة داخل الصف، ويحوّله من قائد تربوي إلى منفذ لتعليمات، في بيئة تتطلب سرعة اتخاذ القرار وحسن التقدير.
وبين هذا وذاك، لا يمكن اختزال القضية في ثنائية الثقة أو عدمها، ولا في اتهامٍ بهدم التعليم أو الدفاع عنه. بل هي معادلة دقيقة تبحث عن التوازن: حماية الطالب من أي إساءة، مع تمكين المعلم من أداء دوره التربوي بكفاءة وهيبة.
في النهاية، يظل السؤال مفتوحًا: كيف نبني مدرسة تُنصف الطالب دون أن تُضعف المعلم؟ لأن التعليم الحقيقي لا يُبنى على طرفٍ واحد، بل على شراكة متوازنة بين من يتعلم… ومن يُعلّم .

بقلم رئيس مجلس إدارة صحيفة أصداء المناطق

مسعود بن جابر جبران الفيفي

إرسال التعليق