×

التقليد الأعمى… مظاهرُ حضارةٍ زائفة بثمنٍ باهض

بقلم: إبراهيم النعمي

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الثقافية، لم تعد المجتمعات بمعزلٍ عمّا يدور حولها من مؤثرات خارجية، فانتقلت إلينا عادات وتقاليد لم تكن يومًا جزءً من نسيجنا الاجتماعي، بل كانت حكرًا على مجتمعاتٍ أخرى تختلف في قيمها وأنماط حياتها.

ومع هذا الانفتاح، برزت ظاهرة “التقليد الأعمى” التي تبناها بعض شبابنا وفتياتنا دون وعيٍ أو تمحيص.

ومن أبرز هذه المظاهر انتشار ثقافة اقتناء الحيوانات الأليفة، كالكلاب والقطط والطيور بمختلف أنواعها، ليس بدافع الحاجة أو المنفعة، بل بدافع المباهاة ومجاراة الآخرين. فأصبحت هذه الممارسات تُقدَّم على أنها رمزٌ للتحضر والتمدن، وعلامة من علامات “البرستيج” الاجتماعي، خاصة بين فئة الشباب والفتيات.

وقد أدى هذا التقليد إلى تحولاتٍ واضحة داخل المجتمع، حيث لم يعد الأمر مقتصرًا على تربية الحيوانات، بل امتد ليشمل إنشاء محلات متخصصة لبيعها، وتوفير مستلزماتها من أغذيةٍ خاصة، وأدوات عناية، بل وحتى مستلزمات النظافة الخاصة بها.

وأصبحنا نرى إنفاقًا مبالغًا فيه على هذه الكماليات، يفوق أحيانًا قدرة بعض الأسر، لا سيما ذات الدخل المحدود.

وعند زيارة هذه المحلات، يندهش المرء من الأسعار المرتفعة، سواء للحيوانات نفسها أو لمستلزماتها، في مشهدٍ يعكس حجم التحول الذي طرأ على أولويات البعض، حيث تُنفق الأموال بسخاء على ما لا يُعد من الضروريات، في حين قد تُهمل احتياجاتٌ أكثر أهمية.

إن المشكلة لا تكمن في تربية الحيوانات بحد ذاتها، فهي سلوكٌ إنساني قد يحمل في طياته الرحمة والعناية، وإنما تكمن في الدافع وراء ذلك، حين يتحول الأمر إلى تقليدٍ أعمى، يخلو من الوعي، ويبتعد عن قيم الاعتدال والتوازن.

إن مجتمعاتنا أحوج ما تكون إلى وعيٍ يُميّز بين الأخذ النافع والتقليد الضار، فليس كل ما يأتي من الخارج يستحق أن يُحتذى.

والوعي الحقيقي هو أن نُحسن الاختيار، وأن نحافظ على هويتنا وقيمنا، دون أن نُساق خلف كل جديدٍ بلا بصيرة، فالتقدم لا يكون بالتقليد، بل بالفهم والاتزان.

إرسال التعليق