×

200ريال … صنعت حكاية كرم»


المقالات : علي ابن إدريس المحنشي


في زمنٍ تُقاس فيه الأشياء غالبًا بقيمتها المادية، تبقى هناك مواقف إنسانية تعيد ترتيب المعاني في القلوب، وتذكّرنا بأن قيمة العطاء ليست فيما يُعطى، بل في صدق النيّة ونقاء القلب.
ومن أجمل تلك المواقف ما قامت به سيدة بسيطة من منطقة جازان، حين بادرت بالتبرع بمبلغ 200 ريال من معاشها في الضمان الاجتماعي ضمن حملة جود جازان. قد يبدو الرقم صغيرًا في ظاهره، لكنه في معناه كبير، لأنه خرج من قلبٍ يعرف معنى العطاء رغم ضيق الحال.
لقد قدمت هذه السيدة درسًا بليغًا في الإيثار، فهي لم تُعطِ من فائض مال، بل من حاجتها، فكان عطاؤها صورة صادقة لمعنى التضحية والإحساس بالآخرين. وهو المعنى الذي أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة﴾.
حين يخرج العطاء من قلبٍ صادق، فإنه يصل إلى القلوب قبل الأيدي، ويصنع أثرًا يتجاوز قيمة المال نفسه. وقد ضرب الله لنا مثالًا لعظمة الإنفاق حين قال سبحانه:
﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء﴾.
ولأن المبادرات الصادقة لا تمرّ دون تقدير، جاءت لفتة كريمة من صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن عبدالعزيز أمير منطقة جازان، الذي وجّه بتكريم هذه السيدة بمبلغ 50 ألف ريال، تقديرًا لمبادرتها الإنسانية. وهي رسالة عميقة تؤكد أن العطاء الصادق لا يضيع، وأن المجتمع الذي يكرّم الخير هو مجتمع يرسّخ ثقافة التكافل ويحتفي بالقيم النبيلة.
ولنا في سنة النبي ﷺ ما يعزز هذا المعنى العظيم، إذ قال:
«اتقوا النار ولو بشق تمرة»، في إشارة واضحة إلى أن قيمة الصدقة ليست في حجمها، بل في صدق صاحبها.
فالقيمة الحقيقية للعطاء لا تُقاس بما تُعطي، بل بما يبقى في قلبك من نبلٍ بعد أن تُعطي. وقد يكون القليل كبيرًا حين يصدر عن قلبٍ كبير.
إن قصة هذه السيدة ليست مجرد خبر عابر، بل رسالة إنسانية عميقة للمجتمع بأسره: أن الخير لا يرتبط بالغنى، وأن أعظم العطاء قد يأتي من أبسط الناس. كما أنها تعكس في الوقت ذاته دور القيادة الحكيمة في تشجيع المبادرات الإنسانية وتعزيز ثقافة التكافل الاجتماعي.
وهكذا تكتمل الصورة الجميلة:
سيدة أعطت بصدق، وقائد قدّر العطاء بكرم، فاجتمع في المشهد نبـل المبادرة وعظمة التقدير.
ختامًا، مثل هذه المواقف تعيد الأمل إلى القلوب، وتؤكد أن الخير ما زال حاضرًا في مجتمعنا، وأن بذرة العطاء مهما صغرت قد تنبت شجرةً عظيمة من البركة والخير.
فقد تعطي القلوب الكبيرة القليل… لكنه يصبح كثيرًا بصدقها.

50046-1 200ريال … صنعت حكاية كرم»
50045-768x1024 200ريال … صنعت حكاية كرم»
50044 200ريال … صنعت حكاية كرم»

✍🏻 الأعلامي والكاتب : علي أبن أدريس المحنشي

تعليق واحد

comments user
سميرة عبدالله

أعطت من ضمانها بلا مقابل فاستحقت التكريم ليأتي رد العطاء من صاحب السمو أضعافا مضاعفة في موقف يجسد الكرم الأصيل ويعلي قيمة الإحسان. 👑

إرسال التعليق