السعودية تتقن فن التميز (6)
المقالات : د -علي يحي جابر الفيفي
الخصوصية السعودية على المستوى العالمي
ثالثاً : حمل راية الأمة في كل القضايا ذات البعد الدولي والإنساني
المملكة العربية السعودية هي الدولة المحورية الأولى في العالم العربي والإسلامي ، بحكم مكانتها الدينية والسياسية والاقتصادية ، وبحكم رؤيتها الثاقبة ، وسياستها الحكيمة ، وشجاعة قيادتها الرشيدة التي لا تتعجل في تصرفاتها ، ولا تتردد في مواقفها إذا لزم التدخل ، ولا تحيد عن مواقفها الثابتة مهما كانت الضغوط أو الإغراءات. وقد انعكس هذا الثقل في دورها الفاعل تجاه القضايا العربية والإسلامية ، سواء عبر المبادرات السياسية ، أو الوساطات الدبلوماسية ، أو الجهود الإنسانية والإغاثية.
وسوف أحاول أن أستعرض أبرز القضايا العربية والإسلامية التي أسهمت المملكة فيها إسهاماً مؤثراً يخدم المصلحة العربية والإسلامية ، ويخفف عن شعوب تلك الدول المعاناة ، ويرسم لهم طريقاً إلى حياة كريمة ، ومستقبل باسم مشرق. وقد سبق الحديث عن عدة قضايا ، وهنا نستكمل الحديث في هذا السياق.
سادساً : أزمة البحرين الشقيق عام 1432ه الموافق 2011م
في أثناء اندلاع ثورات ما سُمي بالربيع العربي أراد الروافض أن يركبوا موجة تفكيك الدول العربية ، وخصوصاً دول مجلس التعاون الخليجي ، فاندلعت احتجاجات وثورة قوية ضد نظام الحكم في دولة البحرين الشقيقة بتاريخ 11ربيع الأول 1432ه الموافق 14 فبراير 2011م ، ورفع المحتجون لافتات وشعارات تطالب بإسقاط نظام الحكم وذلك بدعم وتحريض من الحرس الثوري الإيراني ، وتمادى المحتجون إلى أن وصلوا إلى قتل الأبرياء من المواطنين المسالمين ، وتخريب البنية التحتية ، والاعتداء على المنشآت التعليمية والصحية ، وجميع الدوائر الخدمية ، وقد أقام المتظاهرون لهم مخيَّماً في دوَّار اللؤلؤة بالعاصمة المنامة وجعلوه ساحة لحشد الأنصار ، ومنبراً للتأجيج والتحريض على أعمال الشغب والتخريب!.. وقد بلغ الأمر مبلغاً عجزت فيه قوات الأمن البحرينية عن السيطرة على الوضع ، مما اضطر الحكومة البحرينية بعد حوالي شهر من اندلاع أعمال الشغب والتخريب إلى طلب المساعدة من دول مجلس التعاون الخليجي ، فكانت المملكة هي المبادر الأول ، والسند الأقوى لشقيقتها دولة البحرين ، فقد بادرت بتاريخ 9 ربيع الثاني 1432ه الموافق 14 مارس 2011م بإرسال ما يزيد على ألف جندي من قوات درع الجزيرة ، حيث عبر القوات السعودية جسر الملك فهد متجهة إلى المنامة تلبية لطلب ملك البحرين ، وحرصاً على أمن وسلامة البحرين الشقيقة قيادةً كريمة ، وشعباً أصيلاً ، ووطناً غالياً عزيزاً على المملكة قيادة وشعباً.
إن التدخل السعودي الحاسم والسريع في دولة البحرين الشقيقة لم يكن لتغيير واقع سياسي ، بل لتثبيت دعائم دولة شقيقة واجهت تحديات أمنية هددت نسيجها الوطني ومنشآتها الحيوية. كما كانت تلك الخطوة بمثابة رسالة واضحة بأن أمن البحرين هو خط أحمر بالنسبة للمملكة.
ورغم التواطئ الغربي مع ثورات الخراب والفوضى ، ومحاولة الضغط على المملكة بعدم التدخل في البحرين ؛ إلا أن القيادة السعودية كانت واضحة في موقفها ، صارمة في قرارها، رافضةً لأي تدخل خارجي في شؤون دول مجلس التعاون الخليجي .
إن جهود المملكة في مساعدة البحرين الشقيق خلال تلك الأزمة كانت شاملة ومتكاملة بين الدعم السياسي والدبلوماسي والعسكري ، ثم الاقتصادي ، فقد ركَّزت أثناء الأزمة على الحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي ، مع تعزيز منظومة التحالف الخليجي كأداة رئيسية لمواجهة التحديات الإقليمية. وبعد أن استقرَّت الأوضاع ، واستتبَّ الأمن ، وبدأت مؤسسات الدولة تمارس مهامها بالشكل الطبيعي والمعتاد تركَّز الدعم السعودي على التنمية والاقتصاد ، فكان دعماً قوياً لتستقر الأوضاع ، وتستطيع الحكومة مواجهة التحديات وفق خطة تنموية تشمل جميع قطاعات الدولة.
لقد جاءت الجهود السعودية نابعة من إيمان القيادة السعودية بواجبها الديني والقومي ، ورؤيتها الاستراتيجية التي تعتبر أمن أي دولة من دول مجلس التعاون الخليجي جزءاً من الأمن القومي السعودي والخليجي ، وأن أي مساس باستقرار أي دولة من دول المجلس ستكون له تبعات خطيرة وبعيدة المدى على أمن الخليج ، وعلى أمن المنطقة كلها.
سابعاً : الدعم السعودي لمصر الشقيقة إبَّان أحداث الربيع العربي في الفترة من بداية عام 1432 إلى ما بعد 1434ه الموافق من 2011 إلى 2013م
كان مطلع عام 1432ه هو بداية الثورات العربية التي انطلقت شرارتها من تونس بعد أن أضرم أحد الشبّان النار في جسده احتجاجاً على مصادرة الشرطة عربة الخضار التي كان يقتات عليها! ، وعدم قبول الشكوى التي تقدَّم بها ضد الشرطية التي أساءت التعامل معه!.. وكما يقال: ( معظم النار من مستصغر الشرر ) ، فهذه الحادثة حرَّكت شعباً كاملاً ، وأسقطت نظاماً حاكماً ، وغيَّرتْ مزاج مجتمعٍ بأكمله!.
وما حدث في تونس تأثر به الشارع المصري ، وتنادت الأحزاب والمكونات ، والفئات المختلفة إلى ثورة قوية ، واحتجاجات تصاعدت يوماً بعد يوم ، فقد انطلقت الاحتجاجات يوم الثلاثاء الموافق 21 صفر 1432ه الموافق 25 يناير 2011م .. وقد حاولت الحكومة المصرية التصدي للاحتجاجات التي توسعت وتصاعدت بشكل كبير جداًّ ، فأعلن الرئيس المصري حسني مبارك – رحمه الله تعالى – حالة الطوارئ ، ونزلت قوات الجيش إلى شوارع المدن ؛ لتأمين المنشآت الحيوية ، وحماية مرافق الدولة العامة ، وأَعلنت السلطات المصرية حضر التجول.
كما أصدر الرئيس حسني مبارك قراراً بتكليف الفريق أحمد شفيق بتشكيل الحكومة بعد إقالة الحكومة السابقة ، كما عيَّن اللواء عمر سليمان مدير المخابرات المصرية آنذاك نائباً للرئيس. وأعلن الرئيس حسني مبارك عدم ترشحه في الانتخابات القادمة!..
ورغم كل محاولات القيادة المصرية السيطرة على الوضع إلا أن التظاهرات زادت ، والأوضاع ساءت بشكل لم يجد الرئيس المصري أمامه خياراً سوى التنحي عن السلطة! بتاريخ 8 ربيع الأول 1432ه الموافق 11 فبراير 2011م.
إن هذه الأحداث المتسارعة والخطيرة ، والتحولات السياسية العميقة في المحيط العربي ، وخصوصاً في مصر الشقيقة جعلت القيادة السعودية تؤمن بأن واجبها الديني والقومي يُمْلِيان عليها قيادة الأمة في هذا الظرف الخطير والحساس ، والتصدي للآثار المترتبة على تدهور الأوضاع في أكثر من قطر عربي! .
إن الموقف السعودي تجاه مصر الشقيقة خلال الفترة الممتدة من 1432 إلى ما بعد 1434ه الموافق للفترة من 2011 إلى ما بعد 2013م ، كان موقفاً نموذجياً واستثنائياً في تاريخ العلاقات الدولية ، حيث لم يكن مجرد مساعدات اقتصادية ، بل كان حائط صد سياسي وأمني حمى الدولة المصرية من الانهيار الكامل في خضم اضطرابات ما سُمَّي بالربيع العربي الذي أسقط حكومات! ، ومزَّق دولاً وأشعل نار الفتنة بين شعوبها! .
فلما وقعت أحداث 21/ 8/ 1434ه الموافق 30 يونيو 2013م وعمَّـت جميع المحافظات المصرية مظاهرات واعتصامات واحتجاجات عارمة وأحدق الخطر بمصر بشكل خطير للغاية!.. كانت المملكة أول الداعمين لوجود سلطة قوية تسيطر على الأحداث ، وتنهي مظاهر الانفلات الأمني ، والاقتتال المجتمعي! ، وقد هددت الدول الغربية مصر بمنع المساعدات عنها!، وبفرض عقوبات عليها!.. فكانت كلمة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله رحمه الله تعالى واضحة في معانيها ، صريحة في مضمونها!، صادقة المشاعر! نابعة من قلبٍ محبٍّ ، ونفسٍ أبية!، بل كانت بفضل الله تعالى رادعة لكل المتربصين بمصر وأمنها واستقرارها ، فقد جاء فيها :
” لقد تابعنا ببالغ الأسى ما يجري في وطننا الثاني جمهورية مصر العربية الشقيقة من أحداث تسر كل عدو كاره لاستقرار وأمن مصر وشعبها ، وتؤلم في ذات الوقت كل محب حريص على ثبات ووحدة الصف المصري الذي يتعرض اليوم لكيد الحاقدين في محاولة فاشلة – إن شاء الله – لضرب وحدته واستقراره من قبل كل جاهل أو غافل أو متعمد عمَّا يحيكه الأعداء..”.
وقال رحمه الله تعالى : ” إنني أهيب برجال مصر والأمتين العربية والإسلامية الشرفاء من العلماء ، وأهل الفكر ، والوعي ، والعقل ، والقلم أن يقفوا وقفة رجل واحد ، وقلب واحد ، في وجه كل من يحاول أن يزعزع دولة لها في تاريخ الأمة الإسلامية والعربية مكان الصدارة مع أشقائها من الشرفاء ، وأن لا يقفوا صامتين غير آبهين لما يحدث ، فالساكت عن الحق شيطان أخرس!.
وأضاف رحمه الله تعالى : ليعلم العالم أجمع بأن المملكة العربية السعودية شعباً وقيادةً وقفت وتقف اليوم مع أشقائها في مصر ضد الإرهاب والضلال والفتنة ، وتجاه كل من يحاول المساس بشؤون مصر الداخلية في عزمها وقوتها إن شاء الله ، وحقها الشرعي لردع كل عابث ، أو مضلل لبسطاء الناس من أشقائنا في مصر ، وليعلم كل من تدخل في شؤونها الداخلية بأنهم بذلك يوقدون نار الفتنة ، ويؤيدون الإرهاب الذي يَدَّعون محاربته.. آملاً منهم أن يعودوا إلى رشدهم قبل فوات الآوان ، فمصر الإسلام والعروبة والتاريخ المجيد لن يُغَيِّرَها قول أو موقف هذا أو ذاك ، وأنها قادرة بحول الله وقوته على العبور إلى بر الأمان ، يومها سيدرك هؤلاء بأنهم أخطأوا يوم لا ينفع الندم ، هذا وبالله التوفيق ، وعليه توكلنا ، وإليه ننيب “.
إن هذا الموقف العظيم يجب أن يسجل للتاريخ! ، ويُحفظ في الأذهان! ، ويُروى للأجيال!.. والأحداث العظام يصنعها رجال عظماء ! ، والأزمات يغير مجراها الرجال المخلصون لدينهم وأُمتهم وأوطانهم بتوفيق الله وعونه وتيسيره – وهكذا فَعَلَ الملك عبدالله رحمه الله ، وكان هو رجل الموقف واللحظة والمرحلة – تغَمَّده الله بواسع رحمته.
ثم إنه رحمه الله تعالى وجَّه صاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل رحمه الله تعالى أن يحمل ملف الدفاع عن مصر في كل المحافل الدولية بكل قوة وصرامة ووضوح !.
وبالفعل كان سموه رجل المرحلة الأبرز! ، الذي ضرب به خادم الحرمين الشريفين وساوس الغرب ومخادعاته للأمة العربية! فقد استبق اجتماعاً لدول الاتحاد الأوربي في الشهر الثامن من عام 2013م بزيارة لفرنسا ، وأعلن أن الدول العربية مستعدة لتعويض المساعدات التي تهدد الدول الغربية بقطعها عن مصر ، وقال فور عودته من فرنسا:
” من أعلن وقف مساعدته لمصر أو يلوح بوقفها فإن الأمة العربية والإسلامية غنية بأبنائها وإمكاناتها ، ولن تتأخر عن تقديم يد العون لمصر ” ، في إشارة إلى تهديد الاتحاد الأوروبي بذلك.
وعبَّر رحمه الله تعالى عن : ” الأسف الشديد لأن الموقف الدولي تجاه الأحداث الجارية في مصر يتعارض مع مواقفه تجاه الأحداث في سوريا ! ، فأين الحرص على حقوق الانسان ؟! وحرمة دمه؟! ، والمذابح التي تجري كل يوم في سوريا التي دُمِّرت بالكامل ، دون أن نسمع هـمسة واحدة من المجتمع الدولي الذي يتشدق بحقوق الإنسان حسب ما تقضي به مصالحه وأهواؤه ! “.
وحذَّر رحمه الله تعالى من أن ” هذه المواقف إذا استمرت لن ننساها ولن ينساها العالم العربي والإسلامي “… مشيراً إلى ” تبريرات واهية لا يمكن أن يقبلها عقل ، ولن نأخذ من يتجاهل هذه الحقائق وينساق وراء الدعايات والأكاذيب الواهية بأنه حسن نية أو جهالة ؛ وإنما مواقف عدائية ضد مصالح الأمتين العربية والإسلامية واستقرارهـما “.
وقال رحمه الله تعالى : ” لتعلم كل الدول التي تتخذ هذه المواقف السلبية تجاه مصر بأن السعير والخراب لن يقتصر على مصر وحدها ، بل سينعكس على كل من ساهم أو وقف مع ما ينالها من مشاكل واضطرابات تجري على أرضها “.
وتابع محذراً الغرب من مغبة دعم الاضطرابات والاحتجاجات الدامية!: ” مصيرنا واحد وهدفنا واحد فكما تنعمون بالأمن والهدوء والاستقرار فلا تستكثرون علينا ذلك ! “.
وقال رحمه الله تعالى : ” المملكة قيادة وحكومة وشعباً وقفت وستقف دائماً مع مصر ، وأن الدول العربية لن ترضى مهما كان بأن يتلاعب المجتمع الدولي بمصيرها أو أن يعبث بأمنها واستقرارها “.
وأوضح رحمه الله تعالى أن زيارته لفرنسا جاءت لبحث الأوضاع الراهنة في مصر آنذاك.
وقال رحمه الله تعالى : ” أتمنى من المجتمع الدولي أن يعي مضامين رسالة خادم الحرمين الشريفين بأن المملكة جادة ولن تتهاون في مساندة الشعب المصري لتحقيق أمنه واستقراره”.
وكلمات سموه ومواقفه رحمه الله تعالى الصريحة والشجاعة فيما يخص الوضع في مصر والبحرين وسوريا في تلك الأيام وغيرها من البلدان العربية كان لها صدىً قوياً ، وأثراً بالغاً!.
ولما لموقف المملكة من القوة والتأثير! فقد تراجع الغرب عن تهديداته! ، وخفَّف من ضغوطه على دولة مصر الشقيقة! ، وترافق ذلك مع دعم خليجي مادي ومعنوي قامت به المملكة ، وبعض دول الخليج .. فكان موقف المملكة القوي والحاسم هو السدّ المنيع أمام ذلك المخطط الهدّام .. ولا شك أن ( مصر الإسلام والعروبة والتاريخ المجيد ) كما سمَّاها الملك عبد الله في خطابه ، لن تنسى موقف المملكة قيادة وشعباً معها في محنتها التي عاشتها في تلك الظروف العصيبة .
وللحديث بقية في المقالات القادمة إن شاء الله تعالى
الأحد الموافق 13 شعبان 1447ه.


إرسال التعليق