حين يُدان الحاضر بميزان الماضي
المقالات : علي بن إدريس المحنشي
كثيرًا ما يوجّه الجيل الأقدم سهام النقد إلى الجيل الحديث، متحسرًا على زمنٍ مضى، ومحمّلًا الحاضر مسؤولية التفريط والانشغال وضياع القيم، وكأن هذا الجيل هو من اختار واقعه أو صنع ظروفه بملء إرادته. والحقيقة أن الجيل الحديث لم ينشأ في فراغ، بل وُلد في زمنٍ متسارع التحولات، فرضت فيه التقنية إيقاعها على الفكر والسلوك ونمط الحياة.
إن اختلاف الأجيال سُنّة كونية لا خطأ تاريخي؛ فلكل زمن أدواته، ولكل جيل تحدياته. يقول الله تعالى:
﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾
فالتغير قانون، والتحول ناموس، وليس من العدل أن يُقاس أبناء اليوم بمقاييس الأمس دون مراعاة لاختلاف الواقع، وتبدّل الوسائل، وتزايد الضغوط.
يعيش الجيل الحديث في قلب انفجار معرفي وتقني هائل؛ عالم مفتوح بلا حدود، وسرعة غير مسبوقة في الوصول إلى المعلومة والتفاعل مع الأحداث. وهذا لا يعني بالضرورة تراجع القيم، بقدر ما يعكس تحوّلًا في طرق التعبير وأساليب التواصل. فالإشكال ليس في التقنية ذاتها، بل في كيفية توجيهها واستثمارها، وهنا تتجلى مسؤولية الجيل الأقدم في الإرشاد لا الإدانة، وفي الاحتواء لا الإقصاء.
وقد أرشدنا النبي ﷺ إلى فقه التعامل مع اختلاف الأعمار والطبائع، فقال:
«ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف حق كبيرنا»
فالرحمة أساس العلاقة، والفهم ضرورة، والحكمة أن نبني جسورًا بين الأجيال لا أن نقيم جدرانًا فاصلة بينها.
كما أن النقد المجرد لا يصنع إصلاحًا، بل قد يوسّع الفجوة ويعمّق سوء الفهم. قال ﷺ:
«ما كان الرفق في شيءٍ إلا زانه، ولا نُزع من شيءٍ إلا شانه»
فالرفق سبيل التأثير، والحوار أداة التغيير.
إن الجيل الحديث بحاجة إلى قدوة واعية تفهم لغته، وتدرك أدواته، وتغرس القيم في قلب التطور لا على هامشه. وبحاجة كذلك إلى ثقة تُشعره بأنه امتدادٌ لا قطيعة، وبناءٌ لا هدم.
وختامًا، ليست الحكمة في تمجيد الماضي على حساب الحاضر، ولا في تمرّد الحاضر على الماضي، بل في حوارٍ صادق يجمع الخبرة بالحيوية، والتجربة بالطموح، ليبقى المجتمع متوازنًا، متجذرًا في قيمه، ومنفتحًا بثقة على المستقبل.
بقلم : علي ابن ادريس المحنشي


إرسال التعليق