×

لسنا أعداء… نحن مختلفون فقط

المقالات : علي هادي الفيفي

ليس الاختلاف بين البشر خللًا في العلاقات، ولا خللًا في القلوب، بل هو سُنّة إنسانية تعكس تنوّع العقول وتعدّد الزوايا التي يُنظر منها إلى الحياة. فتنوع الآراء والأفكار ليس تهديدًا للانسجام، بل هو سرّ الحيوية ووقود الوعي ونقطة الانطلاق لأي مجتمع حيّ ومتجدد.

غير أن الخلل الحقيقي يبدأ حين يُساء فهم الاختلاف، فيُترجم إلى كراهية، ويُختزل إلى عداوة، وكأن عدم الاتفاق مع شخص ما يعني تلقائيًا رفضه أو إقصاءه. بينما الحقيقة أن الاختلاف غالبًا لا يكون مع الإنسان ذاته، بل مع فكرة تبنّاها، أو سلوكٍ صدر عنه، أو موقفٍ عابر لم يُرضِ الطرف الآخر.

قد نختلف مع أقرب الناس إلينا، مع من نحبهم ونحترمهم، دون أن يتزعزع مكانهم في قلوبنا. فالاختلاف هنا لا يمسّ جوهر العلاقة، بل يعكس في كثير من الأحيان حرصًا صادقًا على التصحيح والرغبة في الأفضل. فالإنسان لا يناقش إلا من يهمه، ولا ينتقد إلا من يرى فيه قيمة تستحق العناية.

والقدرة على الفصل بين الإنسان وتصرفاته تُعدّ من أرقى صور النضج الفكري والعاطفي. فرفض الخطأ لا يعني رفض صاحبه، بل هو موقف أخلاقي راقٍ يسعى إلى التقويم لا إلى الإقصاء، وإلى الإصلاح لا إلى الهدم. وعندما نُحسن التعبير عن اختلافنا بلغة هادئة تحترم الإنسان قبل الفكرة، نُسهم في صناعة حوار صحي يُقرّب ولا يُباعد، ويُصلح ولا يُفسد.

أما المجتمعات التي تتسع للاختلاف، فهي مجتمعات أكثر قوة وقدرة على التطور، لأن الأفكار المتعددة تفتح نوافذ جديدة للحلول، وتخلق بيئة نقاش بنّاء تُصنع فيها القرارات بعقول جماعية لا برؤية واحدة مغلقة. بينما المجتمعات التي تحوّل كل اختلاف إلى خصومة، إنما تزرع بذور الانقسام وتغلق أبواب التفاهم.

وفي النهاية، لسنا مطالبين بأن نتفق مع الجميع، لكننا مطالبون بأن نحترم الجميع. فالاختلاف ليس عيبًا في العلاقات، بل دليل حياة فيها، وعندما ندرك أن الاختلاف لا يعني الكراهية، نكون قد خطونا خطوة حقيقية نحو إنسانية أكثر وعيًا ونضجًا

بقلم : علي هادي يزيد الفيفي

إرسال التعليق