×

لا تقتل الحقيقة بالظن

المقالات : علي بن إدريس المحنشي

في زحمة العلاقات، وتشابك المواقف، وكثرة الرسائل غير المكتملة، يقع كثير من الناس في فخّ التخمين؛ فيُفسِّر الصمت اتهامًا، ويجعل التأخير إهمالًا، ويحوِّل الغموض إلى إساءة، مع أن باب المعرفة مفتوح، وسؤال الحقيقة أيسر من حمل الظنون.

التخمين راحة مؤقتة، لكنه عبء طويل الأمد؛ لأنه يُبنى على الوهم، بينما المعرفة تُبنى على البيان، والبيان يطفئ نار الشك، ويقيم ميزان العدل.

أولًا: التخمين بابٌ للظلم

حين نخمّن، فإننا نُصدر حكمًا بلا دليل، ونقسو على النوايا دون بيّنة، وقد حذّرنا الله من ذلك تحذيرًا صريحًا، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾
(الحجرات: 12)
فالظنّ حين لا يستند إلى علم، يتحوّل إلى إثم، ويُفسد القلوب، ويقطع جسور الثقة.

ثانيًا: المعرفة طريق السلام الداخلي

السؤال الواضح، والحوار الصادق، وطلب التفسير المباشر، كلها أبواب للطمأنينة. وقد أرشدنا النبي ﷺ إلى ترك ما يورث الشك فقال:
«دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» رواه الترمذي.
والمعرفة لا تأتي إلا بالتحقق، لا بالتأويل، ولا بقراءة ما بين السطور على حساب الحقيقة.

ثالثًا: التخمين يُرهق القلب ويُربك العقل

كم من علاقة انكسرت بسبب ظنّ لم يُسأل عنه، وكم من ودّ ضاع لأن أحد الطرفين آثر التخمين على السؤال.
وقال ﷺ: «إيّاك والظنّ، فإن الظنّ أكذب الحديث».
وعن عمر رضي الله عنه قال:
إذا لم تستطع أن تفهم فاسأل، فالسؤال نصف العلم، والظنّ نصف الجهل.

رابعًا: لماذا نُفضّل التخمين؟

لأن التخمين:
• لا يتطلب شجاعة المواجهة.
• يُريح لحظة، ويُتعب عمرًا.

أما المعرفة:
• فتحتاج صدقًا،
• وشجاعة سؤال،
• وتواضع اعتراف بعدم الفهم.

ختامًا

لا تُخمِّن عندما يمكنك أن تعرف،
ولا تُفسِّر حين تستطيع أن تسأل،
ولا تُدين نوايا الناس وأبواب الحقيقة لم تُطرق بعد.
فالسؤال وعي، والمعرفة عدل،
والظنّ — وإن بدا فطنة — كثيرًا ما يكون أظلم من الجهل.

من سأل استراح، ومن ظنّ تعِب .

بقلم : علي ابن أدريس المحنشي

إرسال التعليق