خارج الضوء
المقالات : علي بن إدريس المحنشي
لسنا دائمًا في قلب المشهد، ولا خُلقنا لنظل تحت وهج الضوء على الدوام. فدائرة الاهتمام الاجتماعي ليست عدسة ثابتة، بل مجال متقلب تحكمه معايير القيم، وصدق الأثر، لا كثافة الحضور. غير أن السؤال الجوهري يظل حاضرًا:
متى يكون الخروج من الضوء إنذارًا، ومتى يكون نجاة؟
أولًا: حين ينطفئ أثر القيم
إذا خلا حضور الإنسان من قيمة تُضاف، ورسالة تُلمس، فإن الاهتمام يبهت بطبيعته. فالناس لا تنجذب إلى الأسماء، بل إلى المعاني، ولا تحفظ الوجوه بقدر ما تحفظ الأثر.
وما المرءُ إلا حيثُ يجعلُ نفسَهُ
ففي صالحِ الأعمالِ نفسُك فاجعلِ
الإمام الشافعي
فمن لم يُحسن غرس القيم في مساحات حضوره، ذبل ذكره وإن كثر ظهوره.
ثانيًا: حين يختل ميزان العلاقات
العلاقات التي تُبنى على المجاملة المصطنعة، أو المنفعة الأحادية، سرعان ما تتآكل من الداخل. فالعطاء روح التواصل، وبدونه تتحول العلاقات إلى عبء صامت، فينسحب الاهتمام دون ضجيج.
إذا لم يكن صفوُ الودادِ طبيعةً
فلا خيرَ في وُدٍّ يجيءُ تكلُّفَا
المتنبي
فالصدق وحده ما يُبقي العلاقة حيّة، وما عداه زائل وإن طال.
ثالثًا: حين يتحول الصوت إلى ضجيج
كثرة الكلام بلا حكمة، واستدرار الانتباه بالتذمر أو التكرار، يُفقد الحضور هيبته. فليس كل مسموع مؤثرًا، وليس كل صامت غائبًا.
إذا كان الكلامُ من فضةٍ
فالسكوتُ من ذهب
مثل عربي
الصمت الواعي لا يُقصي صاحبه، بل يمنحه وقارًا تتجه إليه الأنظار دون استدعاء.
رابعًا: حين تُهمَل الذات قبل الآخرين
من لا يُجدد فكره، ولا يُهذّب أدواته، ولا يراجع مساره، يتراجع حضوره الاجتماعي دون قرار صريح. فالحياة تميل بطبعها لمن ينمو، لا لمن يكرر نفسه.
ومن يتهيب صعودَ الجبالِ
يعش أبدَ الدهرِ بين الحُفر
أبو القاسم الشابي
التطور الذاتي ليس رفاهية، بل شرط بقاء في فضاء اجتماعي سريع التحول.
خامسًا: حين يكون الغياب اختيارًا واعيًا
ليس كل خروج من دائرة الضوء خسارة، فقد يكون الغياب أحيانًا فعل حكمة لا هروب. مساحة لمراجعة الذات، وترميم الداخل، وتنقية العلاقات من الزيف.
وللصمتِ في بعضِ المواطنِ حكمةٌ
وفي القولِ أحيانًا يكونُ ندامةُ
فالابتعاد الواعي قد يكون الطريق الأقصر إلى الاتزان.
الخلاصة
الاهتمام الاجتماعي لا يُستجدى، ولا يُفرض، بل يُستحق. وهو مرآة صادقة لما نحمله من قيم، وما نتركه من أثر. فإن وجدت نفسك خارج الضوء، فلا تُسارع إلى القلق، بل قف مع نفسك متسائلًا:
ماذا أضيف؟ ومن أكون؟ وكيف أحيا؟
ومن أصلحَ النفسَ استراحَ من الأذى
وفازَ بعزٍّ لا يزولُ ولا يفنى
فمن صلح داخله، عاد حضوره جميلًا…
وإن لم يعد، كفته سلامة الروح نورًا لا يخبو، وإن غاب عن الأضواء .
بقلم : علي بن أدريس المحنشي


إرسال التعليق