صدأ خفيّ يفتك بالإنسان
المقالات : علي ابن ادريس المحنشي
تراكمات الأفكار السلبية.. صدأ خفيّ يفتك بالإنسان
تتشكّل الأفكار في داخل الإنسان كما تتشكّل طبقات الصدأ على الحديد. تبدأ خفيفة لا تُرى بالعين المجرّدة لكنّها مع الوقت تتكاثر وتتماسك وتضعف المعدن من جوفِه حتى ينهار. وهكذا هي الأفكار السلبية حين تتراكم في النفس: تبدأ خاطرة ثم هاجسًا ثم قيداً يثقل الروح ويشوّه رؤية الإنسان لنفسه ولحياته.
يقول الله تعالى: ﴿ بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [المطفّفين: 14] وهو وصفٌ بليغٌ لتلك الطبقات التي تغشى القلب تماما كما يغشى الصدأ الحديد. وإن كانت المعاصي تترك هذا الران. فالأفكار السلبية بدورها تترك أثراً مشابهاً يطمس نور النفس ويشوّش صفاء العقل.
وفي الحديث يقول النبي ﷺ:
“ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب”.
وفساد القلب هنا ليس ماديا فقط بل يشمل تراكمات الهمّ واليأس والخوف وسوء الظن بالله وبالحياة وبالناس.
الفكرة حين تُهمل تصبح عادة
الأفكار السلبية ليست مشكلة حين تمر عابرة المشكلة حين نُهمل تنظيفها. فالحديد لا يصدأ في يوم واحد لكنه يصدأ حين نتركه للرطوبة بلا جهد لحمايته. وكذلك الإنسان إذا ترك ذهنه بلا تهذيب ونفسه بلا مراجعة صار أسيرا لصدأ داخلي ينهشه ببطء.
وقد أحسن الشاعر أبو الطيب المتنبي حين قال: وذو العقلِ يشقى في النعيمِ بعقلهِ
وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ ينعمُ
فالفرق ليس في الظروف بل في الفكر الذي يقرأ بها الإنسان واقعه.
والحكمة تقول “أفكارك هي مرآتك إن تعكرت تشوهت صورتك للعالم.
أثر التراكم على النفس والسلوك
حين يتراكم الصدأ على الحديد يفقد لمعانه وقوته وربما ينهار عند أول ضغط. وكذلك الإنسان حين تثقل روحه بالأفكار المظلمة يصبح أكثر عرضة للانكسار وأكثر ضعفا أمام التحديات وأقل صبراً على مجريات الحياة.
هينها تتبدّل إلى ( حينها )
من (أستطيع) إلى (ربما)
ومن (سأحاول) إلى (لا جدوى)
ومن (الثقة إلى الريبة)
حتى يفقد الإنسان صوته الداخلي الذي كان يدفعه نحو الضوء.
كيف نزيل صدأ الأفكار؟
يقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 41] فالذكر جلاء القلوب. والغفلة بيئة الصدأ.
ويقول ابن القيم: “الخواطر هي بذور الأعمال، فمن ملك خواطره ملك زمام نفسه.”
ومما يعين على تطهير الفكر:
مراجعة النفس يومياً كما يراجع الصانع أداواته ويحرص على عدم صدئها.
تغذية العقل بالمعرفة والقراءة فالجهل تربة خصبة للسلبية.
مرافقة الإيجابيين الذين يجددون طاقة القلب.
الاستعانة بالدعاء
“اللهم اجعل في قلبي نوراً. فهو نور يطرد الصدأ من جذوره.
وقد لخص الشاعر ذلك بقوله:
إذا غسلتْ نفسُ الفتى همومَها
أضاءتْ. وإن أغفلتَها عَتِمَت
والأفكار السلبية ليست قدرا لكنها تشبه الصدأ إن تُركت أكلت وإن نُظفت أشرقت. وحياة الإنسان أثمن من أن يسلّمها لطبقات خفية تنمو بصمت. فتنظيف الروح ليس رفاهية بل ضرورة تحفظ النفس من التآكل وتعيد للقلب صفاءه وللإنسان قوته وسعادته .
بقلم : علي بن أدريس المحنشي


إرسال التعليق