العُزّاب في يومهم العالمي
المقالات : علي بن إدريس المحنشي
. حين تتحوّل العزوبة إلى مساحة حرية ونضج
في كل عام، يطلّ اليوم العالمي للعُزّاب في الحادي عشر من نوفمبر، وكأنه يهمس في آذان الجميع بأنّ الحياة ليست زواجًا فقط، ولا ارتباطًا وحسب، بل هي رحلة ووعي واختيار.
فالعزوبية ليست نقيصة تُستَر، بل مرحلة إن أُحسن استثمارها، تحوّلت إلى زمنٍ للبناء والنضج والاكتشاف.
لقد خلق الله الإنسان لعبادته وعمارة الأرض، قال تعالى:
“وما خلقتُ الجن والإنس إلا ليعبدون” (الذاريات: 56)،
“وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا” (النبأ: 8).
لكن ذلك لا يعني أن من لم يتزوج ناقص، أو أن حياته بلا معنى؛ فالقيمة الحقيقية للإنسان لا تُقاس بالحالة الاجتماعية، بل بما يقدّمه من خيرٍ وعملٍ وأثر.
العزوبية ليست فراغًا عاطفيًا كما يتوهم البعض، بل زمنٌ للتأمل واكتشاف الذات وتحقيق التوازن الداخلي. قال النبي ﷺ:
“احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز.” (رواه مسلم)
فمن أحسن استثمار أيامه، نال سعادة لا تُشترى بزواجٍ، ولا تُفقد بعزوبة.
كم من عازبٍ عاش حرًّا بالعقل، نافعًا للمجتمع، مثمرًا في عطائه، وكم من متزوجٍ يعيش بين الناس جسدًا، لكن قلبه وحيد.
قال أحد الحكماء:
“الوحدة ليست أن تبقى بلا أحد، بل أن تبقى مع من لا يفهمك.”
فليست السعادة في كثرة الرفقة، بل في عمق الفهم وصدق المشاركة.
إنّ يوم العُزّاب ليس دعوة للانعزال، ولا تمردًا على الفطرة، بل وقفة للتأمل في معنى السعادة الحقيقي، وإعادة تعريفها بعيدًا عن القوالب الاجتماعية.
فالسعيد من رضي بقضاء الله، واستثمر وقته في طاعته، وبناء ذاته، وإسعاد من حوله.
“وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم” (البقرة: 216)
فلنحتفل بالعزوبية لا من باب المفاخرة، بل من باب الامتنان؛ على نعمة الوقت، والصحة، والحرية في الاختيار.
ولنجعل من وحدتنا خلوةً مع الفكر، وانطلاقةً نحو حياةٍ أصفى روحًا وأوسع معنى .
بقلم : علي بن أدريس المحنشي


إرسال التعليق