×

ضحكة تبني صداقة ……ونكتة تهدم علاقة

مقالات : د/يحي يزيد سلمان الفيفي

المزح يعد من أقدم أشكال التواصل الإنساني , فهو وسيلة للتعبير وكسر الجمود وبناء جسور من الود بين الناس . ورغم بساطته, إلا أن المزاح موضوع بالغ الأهمية يحمل أبعاداً اجتماعية وثقافية ونفسية.
ونحن هنا نتكلم عن المزاح المباح الذي يتوخى صاحبه إيناس المصاحبين والتودد إلى المخاطبين , فيستخدم فيه جميل القول ومستحسن الفعل , ويبتعد عن الكلام البذيء الذي يذهب البهاء ويجرئ السفهاء.
وهذا ما يطلق عليه المزاح المحمود , وهو ما كان على سبيل الاعتدال لا تشوبه شائبة مما حرم الله عز وجل , ولا يكثر , فيكون دليلاً على خفة عقل صاحبه أو حمقه أو يكون سبباً لمهانته وزوال هيبته , أو يكون حطاً من قدره , بل يكون على سبيل الاعتدال .
قال سعيد بن العاص لابنه : اقتصد من مزحك فإن الإفراط فيه يذهب منك المصاحبين .أهـ , لأن من أكثر المزاح وأصبح ديدناً له يخاف عليه من الزلل الذي يوغر الصدور ويقسي القلوب ويورث الأحقاد.
قال الإمام النووي رحمه الله :” المزاح المنهي عنه , هو الذي فيه إفراط ويداوم عليه , فإنه يورث الضحك وقسوة القلب , ويشغل عن ذكر الله تعالى في مهمات الدين , ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء , ويورث الأحقاد , ويسقط المهابة والوقار. فأما ما سلم من هذه الأمور فهو المباح الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله, فإنه عليه السلام إنما كان يفعله في نادر من الأحوال, لمصلحة وتطييب نفس المخاطب ومؤانسته, وهذا لا مانع منه قطعاً. بل هو سنة مستحبة إذا كان بهذه الصفة .
وقال الغزي :” سئلت قديماً عن المزاح وما يكره منه وما يباح , فأجبت : بأنه مندوب إليه بين الإخوان والأصدقاء والخلان , لما فيه من ترويح القلوب , والاستئناس المطلوب , بشرط أن لا يكون فيه قذف ولا غيبة , ولا انهماك يسقط الحشمة.
وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يمزح, وكان أصحابه يمزحون حتى بحضرته, وكذلك من بعدهم من التابعين والعلماء والأئمة الأعلام.
روى بكر بن عبدالله المزني أنه عليه الصلاة والسلام قال : إني لأمزح ولا أقول إلا الحق . وفي رواية إلا حقاً ” رواه الترمذي وصححه الألباني.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : يا رسول الله إنك تداعبنا قال : إني لا أقول إلا حقاً . وقد سئل سفيان : المزاح هجنة ؟ فقال : بل سنة لقول الرسول عليه السلام” إني لأمزح ولا أقول إلا الحق”
وقيل لابن عيينة : المزاح سبة فقال : بل سنة ولكن لمن يحسنه .
ومن قصص المزح قصة أبي بكر الصديق رضي الله عنه : فعن عقبة بن الحارث , قال : صلى بنا أبو بكر العصر , ثم قام وعلي يمشيان , فرأى الحسن يلعب مع الغلمان , فأخذه أبو بكر , فحمله على عنقه , وقال : بأبي شبيه النبي , ليس شبيه لعلي , وعلى يبتسم ” البخاري
نظر عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أعرابي يصلي صلاة خفيفة فلما قضاها قال ” اللهم زوجني بالحور العين ” فقال عمر: أسأت النقد وأعظمت الخطبة .يعني أبهذه الصلاة الخفيفة تطلب الحور العين؟!!.
والخلاصة : أن المزاح ليس مجرد كلمات تُقال بخفة، بل هو أداة تواصل تحمل في طياتها الفرح أو الإساءة. وحين يُمارس بوعي، يصبح وسيلة لتعزيز الروابط الإنسانية والتخفيف من ضغوط الحياة اليومية. لكن غياب الحكمة قد يجعله سلاحًا ينقلب على صاحبه

.
بقلم د/ يحي يزيد سلمان الفيفي

إرسال التعليق