هذه فرصتك.. فانهض قبل أن ينقضي العمر
المقالات : علي حسن الغزواني
ما حزنتُ يومًا على امرئٍ حاول أن يعانق حلمه فلم يُدركه، بقدر حزني على من عاش خاملًا فاترًا؛ لم يحلم، ولم يتطلع، ولم يصبُ إلى معنى شريف. قلبه خواءٌ من بِرّ، ونفسه لا تضطرب لمكرمة، وروحه لا تتطلع إلى فضيلة؛ لا هدفَ يستثير عزيمته، ولا همَّ يؤرق مضجعه، ولا غايةَ تستلّه من ربقة الخمود. عاش خافتَ النفس، خاليَ القلب، خامدَ الهمة، كأنما أُخرج من العدم ليحيا عدمًا آخر.
أما والله، إن الحياة الحقيقية هي تلك التي يتعلق فيها القلب بأمنيات شريفة، ومطامح سامية، ومآرب تطاول الجبال شموخًا ورفعة؛ وإن لم يبلغ الإنسان جميع غاياته، وإن لم يحقق كل أهدافه، فالسعي في ذاته نعيم، والغاية في ذاتها شرف، والألم في سبيلهما حياة.
وكل نبضة في قلبك تنبئك بأن الله اختارك أنت بالذات، ووهبك الحياة، وذلل لك الوسائل؛ لتريه أحسن ما في نفسك، وتُخرج من ذاتك أثمن ما أودع فيك.
لن يسألك عما عجزت عنه، ولن يحاسبك على ما لم يكن في قدرتك، ولكنه سبحانه سائلك عن نعمه وعطاياه، وما صنعت بها، وكيف أحسنت استثمارها؛ فأعد للسؤال جوابًا، وتدبر شأنك، وتبين مواطئ أقدامك.
فما أمدّ الله في عمرك إلا ليبلوَ عملك، وما أفسح لك في أجلك إلا ليختبر سعيك، وما أبقاك في هذه الحياة إلا لأن أمامك عملًا لم يكتمل، وأثرًا لم يُكتب، وبابًا من الخير لم تطرقه بعد.
فكل نفس يتردد في صدرك نعمة تستوجب الشكر ومضاعفة السعي، وكل صباح يشرق عليك وأنت ما زلت حيًا، هو عهدٌ آخر مع الحياة؛ بأن الوقت ما زال فيه متسع، وأن الفرصة لم تنتهِ، وأن في العمر بقية تستطيع أن تملأ بها حدائق جنتك بغراس الباقيات الصالحات.
هذه فرصتك، فانهض…
وهذه منحتك، فشمّر…
وأعمال تُرفع بالليل والنهار، فاستبق إليها…
وعطايا من الكريم، فاغتنمها قبل أن تطوى الصحائف وتنقضي الآجال.
وما الأيام فينا دقائق تُعد، ولا ساعات تمضي فحسب؛ وإنما هي تلك اللحظات التي عاش فيها القلب مخبتًا لله، ونبضت فيها الروح بمعاني السماء، وسمت فيها النفس بنفحات الوحي، وخلّف الإنسان فيها من الأثر ما يبقى بعد رحيله.
فلا تجعل حياتك مجرد عبورٍ بين يومٍ ويوم، ولا تجعل عمرك انتظارًا لشيء لم يبدأ بعد.
ابدأ الآن…
احلم بما يليق بك، واسْعَ إلى ما يرفعك، واعمل لما يبقى لك حين يفنى كل شيء.
فإن فاتتك غاية، فلا تدع السعي يفوتك، وإن تعثرت خطاك، فلا تستسلم للخمود، وإن تأخر الوصول، فحسبك أنك تمضي في الطريق.
وتذكر دائمًا:
أن قيمة الحياة ليست في طولها، وإنما في أثرها، وليست في كثرة أيامها، وإنما في حسن أعمالها.
قال الله تعالى:
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾.
بقلم : علي حسن احمد الغزواني



إرسال التعليق