الحوثي.. وما وراء تقاطع المصالح
المقالات : مسعود الفيفي
لم يعد السؤال اليوم متعلقًا بالحوثي وحده، ولا بحجم ترسانته أو قدرته على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل أصبح السؤال الأكبر: كيف استطاعت هذه الجماعة أن تبقى كل هذه السنوات عنصرًا فاعلًا ؟ ومهددًا لأمن اليمن والمنطقة، وأن تعاود استهداف المملكة العربية السعودية كلما تبدلت موازين الصراع ؟
الحوثيون ليسوا مجرد طرف سياسي يمني مختلف مع خصومه؛ فالحكومة اليمنية صنفت الجماعة منظمة إرهابية، كما فرض مجلس الأمن عليها حظرًا مستهدفًا للسلاح، ووثق هجمات عابرة للحدود استهدفت المدنيين والبنية التحتية في المملكة العربية السعودية والإمارات، فيما أعادت الولايات المتحدة تصنيف «أنصار الله» منظمة إرهابية أجنبية. ومن هنا فإن التعامل مع خطر الجماعة لا يمكن فصله عن البعد الإقليمي والدولي للأزمة اليمنية.
لكن المشهد يزداد تعقيدًا عندما نعود إلى مسار الحرب منذ سنوات.
ففي مراحل مختلفة، تقدمت القوات المناهضة للحوثيين في جبهات استراتيجية، ثم تغيرت المعادلات وتراجعت بعض الجبهات أو تبدلت الأولويات، بينما بقي الحوثي قادرًا على إعادة ترتيب صفوفه وتطوير أدواته العسكرية والسياسية.
وهنا تبدأ الأسئلة التي تستحق أن تُطرح، لا بوصفها اتهامات جاهزة، وإنما بوصفها قراءة سياسية تبحث عما وراء المشهد:
هل استفاد الحوثي من تضارب المصالح الدولية والإقليمية في اليمن؟
وهل أدى اختلاف حسابات القوى اليمنية والإقليمية والدولية إلى منحه مساحة للبقاء وإعادة بناء قدراته؟
ولماذا تتغير درجة الحزم الدولي تجاه الجماعة من مرحلة إلى أخرى، بينما يبقى تهديد الملاحة الدولية وأمن دول المنطقة حاضرًا؟
إن السياسة الدولية لا تُدار دائمًا بمنطق الصداقة والعداء المجردين؛ بل تتحرك الدول وفق مصالحها وأمنها وتحالفاتها وحساباتها الاقتصادية والاستراتيجية. ولهذا قد تتقاطع مصالح أطراف مختلفة في نقطة معينة من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود تحالف بينها أو اتفاق سري يجمعها.
وهذه نقطة جوهرية.
فليس من المهنية أن نحول الشكوك إلى حقائق، أو أن ننسب إلى دول أو قوى بعينها نيات لم تثبت بالأدلة. لكن من حق المراقب أن يتساءل عن النتائج السياسية والعسكرية التي أفرزتها سنوات الحرب: من استفاد من إطالة الصراع؟ ومن استفاد من بقاء الحوثي قوة مسلحة تسيطر على أجزاء واسعة من اليمن؟ ومن يدفع الثمن عندما يتحول اليمن إلى منصة تهديد لجيرانه وللممرات البحرية الدولية؟
الأحداث الأخيرة تعيد هذه الأسئلة بقوة، خصوصًا مع تجدد التصعيد والهجمات الحوثية على المملكة، بالتزامن مع تحركات عسكرية داخل اليمن وتبدلات في السيطرة على مواقع استراتيجية مطلة على البحر الأحمر وباب المندب.
وفي المقابل، تبدو الرياض أمام معادلة شديدة الحساسية.
فهل تنظر المملكة إلى الحوثي باعتباره تهديدًا أمنيًا مباشرًا يجب التعامل معه عسكريًا داخل الأراضي اليمنية؟ أم أنها توازن بين حقها في حماية أمنها وحدودها وبين الحرص على ألا تعود إلى حرب يمنية مفتوحة طويلة المدى؟ أم أن لديها حساباتها وتوقيتها الاستراتيجي الذي لا يظهر كاملًا في المشهد الإعلامي؟
لا يمكن الإجابة نيابة عن صانع القرار السعودي، ولا ينبغي استباق موقف الدولة أو تفسير الصمت والتريث على أنه ضعف أو قبول بالأمر الواقع. فالقرارات السيادية الكبرى، خصوصًا في الحروب، تُبنى على معلومات وحسابات عسكرية وسياسية واقتصادية لا تكون جميعها متاحة للرأي العام.
لكن المؤكد أن أمن المملكة ليس شأنًا يمنيًا داخليًا.
فعندما تنطلق الصواريخ أو المسيّرات باتجاه الأراضي السعودية، ينتقل الأمر من الأزمة اليمنية الداخلية إلى اعتداء عابر للحدود، وعندما يمتد التهديد إلى البحر الأحمر وباب المندب فإنه يتحول كذلك إلى قضية تمس أمن التجارة والطاقة والملاحة الدولية.
وهنا تكمن المفارقة: العالم الذي ترتبط مصالحه باستقرار هذه الممرات لا يتحرك دائمًا بالمستوى نفسه من الحزم، وتتباين سياسات الدول بحسب مصالحها وظروفها وحساباتها في كل مرحلة.
ولذلك ربما لا تكون القضية في وجود «مؤامرة واحدة» تجمع أطرافًا متناقضة؛ فهذه نتيجة تحتاج إلى أدلة لا إلى انطباعات. لكن من المشروع الحديث عن تقاطع مصالح واختلاف أولويات وتباين حسابات، قد تكون محصلتها النهائية — بقصد أو من دونه — منح الحوثي فرصًا إضافية للمناورة والبقاء.
وفي السياسة، ليست كل الحقائق مكتملة في لحظة وقوع الأحداث.
بعضها يظهر فورًا، وبعضها لا يتضح إلا بعد سنوات، عندما تفتح الملفات وتتغير التحالفات وتتحدث الوثائق ويكتب أصحاب القرار مذكراتهم.
ولهذا فإن المشهد اليمني اليوم يبدو كلوحة اكتملت بعض أجزائها، بينما لا تزال أجزاء أخرى تنتظر مكانها الصحيح.
حقائق بدأت تتكشف، ونقاط لم يكتمل تكوينها بعد، ومخاض سياسي وعسكري بدأت ملامحه تظهر؛ لتلد الأيام ما ظلت المنطقة حبلى به لسنوات.
وعندها فقط، قد نعرف: من كان يحارب الحوثي فعلًا، ومن كان يديره كأزمة، ومن استفاد من بقائه، ومن دفع ثمن هذه اللعبة الطويلة.
بقلم رئيس مجلس إدارة صحيفة أصداء المناطق الإلكترونية
مسعود جابر جبران الفيفي



2 comments