×

أنت مسلم.. إذن أنت مسؤول

المقالات : مسعود الفيفي

لسنا أمة خُلقت للهامش.. والإيمان تكليف بالبناء قبل أن يكون كلمات

أيها المسلم..

حين تقول: أنا مسلم، فأنت لا تنطق باسمٍ مجرد، ولا تعلن انتماءً يُكتب في خانة من خانات الهوية فحسب.

أنت تحمل معنى أكبر.

أنت تنتمي إلى دين بدأ أول خطابه بكلمة: ﴿اقْرَأْ﴾، وأمر بالعمل، ورفع قيمة العلم، وحث على الإحسان، وجعل إعمار الأرض ونفع الإنسان من معاني المسؤولية التي يحملها المؤمن في حياته.

ولهذا فإن السؤال الذي يستحق أن نسأله لأنفسنا ليس فقط:

ماذا أخذنا من الحياة؟

بل:

ماذا أضفنا إليها؟

أنت مكلف بقدر استطاعتك

ليس مطلوبًا من كل مسلم أن يكون عالمًا مشهورًا، ولا قائدًا، ولا ثريًا، ولا صاحب منصب.

لكن كل واحد منا يملك مساحة يستطيع أن يصنع فيها خيرًا.

المعلم في فصله.

والطبيب أمام مريضه.

والجندي في موقعه.

والمهندس في مشروعه.

والإعلامي أمام كلمته.

والتاجر في أمانته.

والموظف في مسؤوليته.

والأب والأم في تربية أبنائهما.

والشاب في علمه ومستقبله.

والإنسان في كل موقع وضعه الله فيه.

يقول الله تعالى:

﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].

إذن ليست القضية أن تفعل ما يعجز عنه الآخرون.

القضية أن تفعل ما تستطيع أنت، وألا تهدر ما أعطاك الله من عقل ووقت وقدرة وفرصة.

الإسلام لا يصنع الإنسان الهامشي

المسلم الحقيقي لا يعيش بلا غاية.

لا يرضى أن يكون عالة على غيره وهو قادر على العمل، ولا يجعل الأعذار مشروع حياته، ولا ينتظر الآخرين ليبنوا له مستقبله.

لقد علّمنا القرآن أن الإنسان مسؤول عن سعيه:

﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ۝ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾ [النجم: 39-40].

تأمل كلمة «سعى».

لم يقل تمنى.

ولم يقل تحدث.

ولم يقل انتظر.

قال: سعى.

وهنا تكمن واحدة من أعظم مشكلاتنا حين تتحول الأمنيات إلى بديل عن العمل، والشكوى إلى بديل عن المبادرة، وانتظار الآخرين إلى بديل عن تحمل المسؤولية.

ارفع رأسك إلى معالي الأمور

كم من إنسان يمتلك عقلًا عظيمًا، لكنه أشغله بصغائر الأمور.

وكم من شاب يستطيع أن يصبح طبيبًا أو مهندسًا أو عالمًا أو مخترعًا أو قائدًا أو صاحب مشروع، لكنه استهلك سنواته في حياة بلا هدف.

وكم من صاحب موهبة ماتت موهبته لأنه قال:

غدًا أبدأ.

الإسلام يعلّم الإنسان أن يطلب النافع وأن يستعين بالله وألا يستسلم للعجز.

وفي الحديث الصحيح قال النبي ﷺ:

«احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز» رواه مسلم.

ثلاث كلمات ترسم منهج حياة:

احرص.

استعن.

ولا تعجز.

فما الذي نحتاجه أكثر من ذلك لاستنهاض الهمة؟

لا تقل: ماذا سيفعل الآخرون؟

من أكثر الأسئلة التي عطلت المبادرات:

لماذا أنا؟

ولماذا لا يبدأ فلان؟

وأين المسؤول؟

وأين المجتمع؟

وأين الآخرون؟

لكن ماذا لو سأل كل واحد منا سؤالًا مختلفًا:

ما الذي أستطيع أنا أن أفعله؟

ربما لا تستطيع تغيير مدينة، لكن تستطيع إصلاح بيت.

ولا تستطيع تعليم ألف طالب، لكن تستطيع أن تغير حياة طالب.

ولا تستطيع إطعام مدينة، لكن تستطيع إطعام محتاج.

ولا تستطيع إصلاح كل مشكلة، لكن تستطيع ألا تكون جزءًا منها.

ولا تستطيع أن تصبح مشهورًا، لكنك تستطيع أن تصبح نافعًا.

وهذه منزلة أعظم مما نظن.

أيها الشاب.. الأمة تنتظر عقلك

لا تسمح لأحد أن يقنعك بأن البطولة في عدد المتابعين، أو أن النجاح في الظهور، أو أن قيمة الإنسان فيما يملك من مظاهر.

قيمتك الحقيقية فيما تبنيه.

تعلم.

اقرأ.

أتقن لغة.

تعلم تقنية.

ابنِ مشروعًا.

اكتشف موهبتك.

اخدم وطنك.

ساعد أسرتك.

نافس في العلوم والمعرفة والابتكار والاقتصاد والعمل.

ولا تجعل سنوات القوة في عمرك تمر وأنت تتفرج على نجاح الآخرين.

العالم لا ينتظر المترددين.

وأنتِ أيضًا صاحبة رسالة

والخطاب للمرأة كما هو للرجل.

فكم بنت صنعت علمًا، وكم أم صنعت أجيالًا، وكم معلمة غيرت مستقبل طلابها، وكم طبيبة وباحثة ومبدعة تركت أثرًا يتجاوز حياتها.

إن المجتمع لا ينهض بنصف طاقته.

وكل عقل يتوقف عن العطاء خسارة.

وكل موهبة تُدفن خسارة.

وكل إنسان قادر على الخير ثم يعيش بلا أثر، مساحة كان يمكن أن تمتلئ بالنفع.

لا تحتقر العمل الصغير

ليست النهضة دائمًا مشروعًا بمليارات.

قد تبدأ بكتاب تقرؤه.

بطفل تعلمه.

بطريق لا تلقي فيه أذى.

بموظف تنجز معاملته بإخلاص.

بكلمة تمنع بها ظلمًا.

بفكرة تطورها.

بمحتاج تعينه.

بساعة من يومك تستثمرها بدل أن تهدرها.

والله تعالى يقول:

﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7].

حتى الذرة محسوبة.

فكيف يحتقر الإنسان خيرًا يستطيع فعله؟

نحن مسلمون.. وهذه مسؤولية

نحن أبناء دين لم يجعل العبادة منفصلة عن الأخلاق والعمل والمسؤولية.

فلا يستقيم أن نصلي ثم نظلم.

ولا أن نتحدث عن الأمانة ثم نخونها.

ولا أن نطالب بالإتقان ثم نهمل أعمالنا.

ولا أن نرفع شعارات عظيمة بينما تضيع الساعات والأعمار بلا ثمرة.

الإسلام الذي نعتز به يجب أن يظهر في صدقنا، وأمانتنا، وإتقاننا، ورحمتنا، وعلمنا، وعملنا، واحترامنا للناس، وخدمتنا لأوطاننا ومجتمعاتنا.

فالمبادئ العظيمة لا تحتاج أصواتًا عالية بقدر ما تحتاج نماذج حية.

انهض.. ففيك شيء يحتاجه العالم

ربما تكون لديك فكرة لم يسبقك إليها أحد.

ربما يكون بين أطفالنا عالم لم نكتشفه بعد.

وربما يجلس في فصل دراسي اليوم طبيب سينقذ آلاف الأرواح غدًا.

وربما بين شبابنا مخترع أو مهندس أو قائد أو باحث أو رجل أعمال سيصنع شيئًا عظيمًا.

لكن كل ذلك يحتاج إلى كلمة واحدة:

ابــــــــدأ.

لا تنتظر الظروف المثالية؛ فقد لا تأتي.

ولا تنتظر أن يؤمن الجميع بك.

ولا تجعل إخفاقًا واحدًا حكمًا على مستقبلك.

اسقط ثم قم.

تعلّم ثم حاول.

واستعن بالله ثم امضِ.

وفي النهاية.. ماذا تركت خلفك؟

سيأتي يوم نغادر فيه جميعًا.

ستتوقف المناصب.

وستنتهي الألقاب.

ويذهب المال إلى غيرنا.

وتصبح البيوت التي بنيناها ملكًا لآخرين.

ويبقى السؤال:

ماذا قدمنا ؟

وفي الحديث الصحيح قال رسول الله ﷺ:

«إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له» رواه مسلم.

وهنا تتجلى عظمة الأثر.

قد ينتهي العمر، لكن الخير يستطيع أن يستمر.

فلا ترضَ لنفسك بالدون وأنت قادر على المعالي.

ولا تقل: ماذا تستطيع يد واحدة أن تصنع؟

لأن الأوطان والأمم والحضارات لم يبنها شخص واحد، وإنما بنتها ملايين الأيدي حين أدى كل إنسان أمانته في موقعه.

أيها المسلم..

دينك يدعوك إلى الخير.

ووطنك ينتظر عطاءك.

وأسرتك تحتاج قدوتك.

والحياة أقصر من أن تُهدر في الصغائر.

فاستعن بالله، وانهض، وتعلم، واعمل، وأتقن، وابنِ، وانفع الناس.

ولا تمرّ في هذه الحياة مرورًا عابرًا.. اترك وراءك أثرًا يشهد أنك كنت هنا.

بقلم رئيس مجلس إدارة صحيفة اصداء المناطق الإلكترونية

مسعود بن جابر جبران الفيفي

تعليق واحد

sami majrashi
Eng. Sami Majrashi

معادلة «أنت مسلم.. إذاً أنت مسؤول» حين تُقرأ بوعي تفضح وهماً قديماً بأن الانتماء وحده يُغني عن صناعة الحضارة.

فالتقصير ليس فقط فيما لم نفعله بل في أن نستهلك العمر دون أن ننتج فيه أثراً ونكتفي بدور المتفرج الذي يُحسن الشكوى وينتظر أن يبدأ الآخرون.

وُفقت أستاذ مسعود في إبراز الفرق الجوهري بين التمني والسعي وأعدت المعنى إلى أصله: موقعك أمانة وسعيك مسؤولية وإتقانك عبادة.

وربما كان السؤال الأصعب في نهاية الطريق ليس فقط: ماذا فعلنا؟
بل: كم مساحة تركناها فارغة وكان بوسعنا أن نملأها.. ثم سمّينا ذلك عجزاً؟

إرسال التعليق