×

حين يهزم التعصبُ الرياضة

المقالات : احمد هبة

شغفٌ يبدأ من المدرجات.. وقد ينتهي خصامًا في البيوت وقطيعةً بين الأحبة

حين يفقد الشغف الرياضي بوصلته، ويتجاوز حدود المتعة والمنافسة الشريفة، يتحول من مساحة للفرح والترفيه إلى تعصبٍ قد يترك آثاره في الفرد والأسرة والمجتمع.

كرة القدم في أصلها رياضة تجمع الناس، وتصنع لحظات جميلة من الحماس والانتماء والمنافسة، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الفوز أو الخسارة معيارًا للمحبة والغضب، وحين يتحول اختلاف الميول الرياضية إلى سبب للإساءة والخصومة والقطيعة.

حين يدفع الجسد ثمن التعصب

الحماس للمباراة أمر طبيعي، لكن الانفعال الشديد والمستمر ليس أمرًا ينبغي الاستهانة به، خصوصًا لمن لديهم عوامل خطورة صحية. فالمشهد الرياضي لا يستحق أن تتحول معه دقائق المباراة إلى حالة من الغضب والصراخ والتوتر المفرط.

وفي المدرجات أو أمام شاشات التلفاز، قد يصل بعض المشجعين إلى مستويات عالية من الانفعال مع كل هدف ضائع أو قرار تحكيمي أو نتيجة غير متوقعة، وكأن مصير الحياة كلها معلّق بتسعين دقيقة.

وهنا ينبغي أن نسأل أنفسنا: هل يستحق فوز فريق أو خسارته أن نخاطر من أجله بصحتنا وطمأنينتنا؟

حين يدخل التعصب إلى البيت

الأخطر أن يبقى التعصب خارج الملعب أقل ضررًا من أن يعبر أبواب المنازل.

فما قيمة الرياضة إذا صنعت جفاءً بين زوج وزوجته؟ وما معنى التشجيع إذا أفسد العلاقة بين أب وابنه، أو أشعل خلافًا بين الإخوة والأقارب والأصدقاء؟

من المؤسف أن يتحول اختلاف الشعار أو لون القميص إلى سبب للخصام، وأن تنتهي مباراة بعد تسعين دقيقة بينما تستمر آثارها أيامًا وربما أطول داخل الأسرة.

البيت الذي بُني على المودة والرحمة أكبر من نتيجة مباراة، وصلة الرحم أثمن من بطولة، والأخ والصديق والجار أبقى من لاعب قد ينتقل غدًا إلى نادٍ آخر.

من المنافسة إلى الإساءة

ولا يتوقف الأمر عند حدود الأسرة؛ فالمنصات الرقمية تكشف بعد كثير من المباريات وجهًا آخر للتعصب، حين تتصاعد الشتائم والسخرية والتنابز والتشكيك، ويتحول النقاش الرياضي إلى مساحة للبغضاء والإساءة الشخصية.

وهنا تفقد الرياضة رسالتها الحقيقية.

فالخصم الرياضي ليس عدوًا، والمشجع الذي يرتدي لونًا مختلفًا ليس خصمًا في الحياة، والفريق المنافس جزء من جمال اللعبة؛ إذ لا منافسة بلا منافس، ولا بطولة بلا روح رياضية.

ولذلك فإن المسؤولية لا تقع على المشجع وحده، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة، وتمر بالأندية والإعلام الرياضي والمؤثرين واللاعبين، وصولًا إلى كل من يمتلك كلمة يمكن أن تهدئ التعصب أو تؤججه.

الفوز الحقيقي

شجّع فريقك، وافرح بانتصاره، واحزن لخسارته، وناقش أداءه وانتقده، ولكن لا تسمح لكرة القدم بأن تسلب منك أخلاقك أو صحتك أو أحبابك.

فالمباراة تنتهي، والبطولات تتغير، واللاعبون يرحلون، والشعارات تتبدل، لكن الأسرة تبقى، والأخوة تبقى، والصداقة الصادقة تبقى.

إن أعظم انتصار لا يُكتب على شاشة النتائج، بل يظهر حين تنتهي المباراة ويبقى الاحترام حاضرًا، وتظل المودة محفوظة، ويعود الجميع إلى بيوتهم سالمين.

فالرياضة خُلقت لتجمعنا وتُمتعنا.. لا لتفرّقنا.
ولا بطولة في الدنيا تستحق أن نخسر من أجلها قلبًا، أو رحمًا، أو بيتًا.

8016-1024x559-1 حين يهزم التعصبُ الرياضة

بقلم المستشار : احمد بن هبة علي هادي

إرسال التعليق