لا تعطِ الآلة آخر ما تبقّى منك
المقالات : سامي مجرشي
في المقال السابق وقفنا أمام المرآة.
واكتشفنا حقيقة قد تكون مؤلمة: كثير مما اعتقدنا أنه موهبة خاصة لم يكن سوى تنفيذ متقن.. حتى جاءت الآلة وأتقنته في ثوانٍ.
وانتهينا عند سؤال:
إذا كانت الآلة تستطيع أن تفعل ما أفعله! فماذا يبقى لي؟
ووعدتكم ألا نترك الإجابة عند «صفر».
لأن هناك منطقة لم تصل إليها الآلة بعد وربما لن تصل إليها بالطريقة التي نعيشها نحن.
وهنا يجب أن نبني حصننا البشري.
لا تنافسها في «كيف»
اسأل الذكاء الاصطناعي: كيف أكتب؟ كيف أحلل؟ كيف أصمم؟ كيف أخطط؟
وسيعطيك إجابات مذهلة.
لكن قيمتك تبدأ قبل ذلك بسؤال أهم:
لماذا نفعل هذا أصلاً؟
ما المشكلة الحقيقية؟ وما القرار الصحيح؟ وما الذي يستحق أن نفعله وما الذي يجب أن نرفضه؟
لا تنافس الآلة في تنفيذ الإجابة.
امتلك السؤال الذي يسبقها.
لديك شيء لم تعشه الآلة
الآلة قرأت عن الفشل ملايين المرات.. لكنها لم تفشل.
قرأت عن الخوف.. ولم تخف.
حللت آلاف الاجتماعات.. لكنها لم تجلس في غرفة متوترة وتدرك من نظرة واحدة أن القرار المكتوب على الورق لن ينجح.
هذه التفاصيل الصغيرة تصنع شيئاً نسميه الحدس.
والحدس ليس سحراً.
إنه خبرة تراكمت حتى أصبحت قادرة على رؤية ما لا تقوله الأرقام.
لذلك لا تحاول أن تعرف أكثر من الآلة.
اعرف كيف تستخدم ما عشته أنت.
الناس ليسوا بيانات
قد تفهم الآلة كلمات الإنسان لكنها لا تعيش حياته.
وهنا تظهر قيمة السياق والتعاطف.
فالقرار الصحيح على الورق قد يكون خاطئاً مع هذا الإنسان وفي هذا التوقيت وداخل هذه الظروف.
وفي عالم أصبحت فيه الإجابات متاحة للجميع لن تكون القيمة دائماً لمن يملك أفضل إجابة.
بل أحياناً لمن يفهم الإنسان الذي أمامه قبل أن يجيبه.
اكسر النمط
الذكاء الاصطناعي قوي لأنه تعلم مما حدث.
أما الإنسان فأعظم لحظاته كانت عندما تخيل ما لم يحدث بعد.
حين رفض المألوف.
وحين طرح سؤالاً بدا في البداية سخيفاً أو مستحيلاً.
وحين كسر القاعدة بدلاً من تحسينها.
لذلك لا تدخل مع الآلة سباقاً في سرعة التكرار.
نافسها في جرأة الابتكار.
حصنك الحقيقي
إذن ماذا يبقى لك؟
يبقى السؤال الذي تختاره.
والخبرة التي عشتها.
والسياق الذي تفهمه.
والإنسان الذي تشعر به.
والقرار الذي تجرؤ على اتخاذه.
والفكرة التي تكسر بها النمط.
هذا هو حصنك.
ولا يعني ذلك أن تبتعد عن الذكاء الاصطناعي بل العكس تماماً.
أعطه ما يجيده.. واحتفظ لنفسك بما يجعلك إنساناً.
استخدم سرعته واتساع معرفته وقدرته على التحليل والتنفيذ.
لكن لا تسلمه البوصلة.
لأن الخطر الحقيقي ليس أن تصبح الآلة أكثر ذكاءً منك.
الخطر أن تتوقف أنت عن استخدام الأشياء التي لا تملكها الآلة أصلاً.
والآن أترك السؤال لكم:
ما الميزة البشرية في عملك التي تراهن أنها ستبقى ذات قيمة مهما تطور الذكاء الاصطناعي؟
ربما تكون إجابة أحدكم.. بداية المقال القادم.
بقلم: م. سامي يحيى مجرشي



إرسال التعليق