حاسب نفسك.. تعرف نقصك
المقالات : علي المحنشي
ليس أصعب على الإنسان من أن يقف أمام نفسه بلا أقنعة، وأن يسألها بصدق: من أنا؟ وماذا صنعت؟ وإلى أين أمضي؟
فكثيرون يجيدون تقييم الآخرين، ويرصدون أخطاءهم، ويعدّون عثراتهم، لكنهم حين يأتي الدور على أنفسهم، يترددون في فتح دفتر الحساب؛ لأن النفس تحب أن ترى حسناتها مكبرة، وأخطاءها مصغرة.
وتقييم النفس ليس جلدًا للذات، ولا بحثًا عن المثالية، وإنما هو وقفة صدق نراجع فيها أقوالنا وأفعالنا ومواقفنا، وننظر: هل أصبحنا اليوم أفضل مما كنا عليه بالأمس؟
قال الله تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ)
تأمل جمال المعنى: ولتَنظر نفسٌ ما قدمت لغد؛ فالمؤمن لا يعيش يومه عابرًا، بل يسأل نفسه عن أثر ما يفعله اليوم في غده.
قيّم نفسك في أخلاقك قبل إنجازاتك، وفي تعاملك مع الناس قبل مكانتك بينهم، وفي قدرتك على الاعتذار قبل قدرتك على الانتصار، وفي حفظك للود قبل كثرة معارفك.
واسأل نفسك:
هل أفي بوعدي؟
هل أحفظ غيبة من غاب عني؟
هل أعتذر عندما أخطئ؟
هل أستمع لأفهم أم أستمع لأرد؟
هل أفرح لنجاح الآخرين أم أبحث عن عثراتهم؟
هل أترك أثرًا طيبًا حيثما حللت؟
فالنجاح الحقيقي ليس فيما تملك، ولا في عدد من يعرفونك، وإنما في من تكون حين لا يراك أحد.
وقد قال النبي ﷺ: (الكَيِّسُ مَن دانَ نفسَه، وعمل لما بعد الموت) ؛ فالعاقل من راجع نفسه قبل أن يحاسبه غيره، وأصلح خطأه قبل أن يصبح عادة، وأعاد ترتيب حياته قبل أن يكتشف متأخرًا أنه قضى عمره في الطريق الخطأ.
ولا تجعل تقييمك لنفسك قائمًا على المقارنة بالآخرين؛ فقد ترى من سبقك فتشعر بالنقص، أو ترى من تأخر عنك فتشعر بالغرور. وكلاهما قد يبعدك عن الحقيقة.
قارن نفسك بنفسك:
هل أصبحت أكثر حكمة؟
أكثر هدوءًا؟
أكثر تسامحًا؟
أقل اندفاعًا؟
أكثر نفعًا للناس؟
وأقرب إلى الله؟
فإن وجدت أنك تتقدم، فاحمد الله، وإن وجدت تقصيرًا، فلا تيأس؛ فجميل أن تكتشف الخطأ اليوم، والأجمل أن تبدأ إصلاحه اليوم أيضاً.
وتذكر أن المرآة لا تغيّر ملامحك، لكنها تكشفها لك؛ وكذلك محاسبة النفس، لا تغيّر حقيقتك، لكنها تمنحك فرصة أن تصنع منها حقيقة أجمل.
فلا تسأل نفسك: كيف يراني الناس؟
بل اسألها: كيف تراني أنا حين أخلو بها؟
هناك تبدأ الحقيقة، ومن الحقيقة تبدأ الرحلة، ومن صدق الإنسان مع نفسه يبدأ التغيير.
ختاماً….
من اعتاد أن يحاسب نفسه، قلَّ أن يحتاج إلى من يحاسبه؛ ومن أصلح داخله، أصلح الله له كثيرًا من خارجه.
وفي نهاية كل يوم، لا تسأل: ماذا كسبت؟
بل اسأل: ماذا أضفت؟ وماذا أصلحت؟ ومن أسعدت؟ وما الأثر الذي سيبقى مني بعد أن أمضي؟
فالحياة ليست بعدد الأيام التي نعيشها، وإنما بعدد اللحظات التي عشنا فيها بصدق، وأثرنا فيها بخير، ورحلنا منها بذكر طيب.
بقلم الإعلامي والكاتب : علي بن ادريس المحنشي



إرسال التعليق