×

عندما يجتمع الفرح بالشعر والتراث بالوطن

المقالات : حمد دقدقي


ليست كل الصور تُلتقط لتُحفظ في ذاكرة الهاتف؛ بعض الصور تُلتقط لتبقى في ذاكرة المكان، لأنها تختصر حكاية مجتمعٍ يعرف كيف يصنع من مناسباته الصغيرة معنىً كبيرًا، وكيف يحوّل الفرح من لحظة عابرة إلى أثرٍ يمتد في الوجدان.

وفي هذه الصورة وخلال احتفالية اهل فيفا بمناسبة زواج حسن بن حسين الفيفي وحضره المئات من سكان المحافظات الجبلية من مشايخ واعيان وادباء ومثقفين
وقف الفرح في أبهى صوره؛ حيث يلتقي الشعر والفن والتراث والقبيلة والوطن في مشهدٍ واحد، كأنما اجتمعت ملامح الأمس والحاضر لتقول إن الهوية لا تعيش في الكتب وحدها، وإنما تسكن في الناس، وفي أفراحهم، وفي موروثهم، وفي الطريقة التي يقدّمون بها أنفسهم للعالم.
إن أجمل ما في المناسبات الاجتماعية أنها تكشف معدن المجتمعات؛ ففي لحظة الفرح تتقدم القيم إلى الواجهة، ويصبح الحضور رسالة محبة، والتهنئة وفاءً، واللقاء صلةً، والزي التقليدي ذاكرةً تمشي بين الناس، حاملاً معه رائحة الأجداد ووقار السنين.
والتراث هنا ليس ثوبًا نرتديه في مناسبة ثم نخلعه، بل هو لغةٌ صامتة تقول من نحن، ومن أين جئنا، وما الذي نريد أن نحمله معنا إلى المستقبل. إنه ذلك الخيط الدقيق الذي يصل الإنسان بجذوره دون أن يمنعه من التحليق نحو الغد.
أما الشعر، فهو الوجه الآخر لهذه الحكاية؛ ذلك الفن الذي طالما كان ديوان العرب وذاكرة أفراحهم وأحزانهم، يرافق مناسباتهم، ويمنح المشاعر أسماءها، ويجعل للكلمة جناحين حين تعجز العبارات العادية عن حمل ما في القلب.
وحين يدخل الفن إلى المشهد، يكتمل المعنى؛ فالفن ليس ترفًا زائدًا عن حاجة المجتمع، بل أحد أكثر أدواته قدرةً على التعبير عن جماله ووعيه وذاكرته. ومن هنا يصبح الاحتفاء بالفنون والتراث نوعًا من الاحتفاء بالإنسان نفسه.
ثم تأتي القبيلة بوصفها امتدادًا اجتماعيًا وثقافيًا، لا باعتبارها جدارًا يفصل الناس، وإنما بوصفها ذاكرةً من صلة الرحم، والنخوة، والكرم، والتكافل، والوفاء. وحين تتسع هذه القيم لتلتقي بقيم الوطن، يصبح المشهد أكثر جمالًا؛ لأن الانتماء الحقيقي لا يضع الهويات في مواجهة بعضها، بل يجعلها روافد تصب في نهرٍ واحد.
وهنا تبدو الصورة للشيخ : حسين بن حسن علي الفيفي وابنه حسن بن حسين الفيفي
يقفان أمام عدسة؛ إنها لحظة تختصر حكاية وطنٍ يحفظ تراثه، ومجتمعٍ يعتز بجذوره، وأجيالٍ تتعلم أن الحداثة لا تعني مغادرة الذاكرة، وأن المستقبل الأكثر ثباتًا هو ذلك الذي يعرف جيدًا من أين بدأ.
ما أجمل أن يظل الفرح وفيًا لأصله، وأن تظل المناسبات الاجتماعية جسورًا تعبر فوقها المحبة من جيل إلى جيل. وما أجمل أن نرى في تفاصيل الاحتفال وطنًا صغيرًا؛ في الثوب حكاية، وفي الشعر ذاكرة، وفي الفن روح، وفي القبيلة امتداد، وفي اللقاء معنى لا تكتبه الكلمات بقدر ما تكتبه القلوب. ولعل أجمل ما يمكن أن تقوله هذه الصورة: إن الأمم التي تحفظ ذاكرتها لا تخشى المستقبل؛ لأنها تعرف أن الجذور العميقة لا تعيق الشجرة عن الصعود، بل تمنحها القدرة على أن تبلغ السماء.


بقلم الإعلامي والكاتب : حمد دقدقي

إرسال التعليق