حين يصبح الزواج قضية وطن
المقالات : د/ فيصل الأقصم
دعوة لاستعادة ثقافة الزواج الميسر والحد من مبالغة المهور ومظاهر الأفراح
“الزواج الميسر ليس تنازلًا عن قيم المجتمع، بل عودة إلى أصالته وتوازنه.”
“المشكلة ليست في الفرح، بل حين تصبح تكلفة الفرح عائقًا أمام الفرح نفسه.”
في كل ليلة زفاف تتلألأ فيها الأضواء وتتعالى فيها التهاني، هناك شاب تتأخر فرحته لأنه لم يستطع أن يدفع ثمن البداية، وهناك فتاة يطول انتظارها، لا لغياب النصيب، بل لأن الطريق إلى الزواج أصبح أكثر كلفة مما ينبغي. وبين فرحة يراها الناس وأحلام تتعثر في صمت بعيد، تتشكل قضية لم تعد تخص الأفراد وحدهم، بل تمس حاضر المجتمع ومستقبله.
فالزواج ليس مناسبة اجتماعية عابرة، ولا احتفالًا ينتهي بانطفاء الأضواء، بل خطوة إنسانية كبرى وبداية جديدة في حياة الشباب والفتيات. وحين تصبح هذه الخطوة أكثر صعوبة بسبب تضخم التكاليف والمبالغة في المتطلبات، فإن القضية تتجاوز حدود الأفراد لتصبح شأنًا عامًا يستحق المراجعة والمعالجة.
إن المغالاة في تكاليف الزواج لا ترهق الجيوب فقط، بل ترهق الأحلام أيضًا. فهي تؤجل فرحة شاب يتطلع إلى الاستقرار، وتزيد من قلق أسرة تتمنى أن ترى أبناءها وبناتها يبدأون حياتهم الجديدة، وتدفع البعض إلى الاستدانة أو تأجيل الزواج سنوات طويلة، وربما إلى التراجع عن هذه الخطوة من أصلها. فكم من مشروع زواج تأخر، وكم من حلم جميل توقف عند أرقام لم يكن ينبغي أن تكون حاجزًا أمام بداية حياة.
ولا تقف آثار ارتفاع تكاليف الزواج عند حدود الأفراد والأسر، بل تمتد إلى مستقبل المجتمع وتماسكه واستقراره. فالمغالاة في تكاليف الزواج لا تؤخر زواج شاب أو فتاة فحسب، بل تؤخر ميلاد بيت جديد، وتؤجل استقرارًا كان يمكن أن يثمر عطاءً وإنتاجًا ومشاركة في بناء المجتمع.
وتشير دراسات واستطلاعات اجتماعية محلية إلى أن تكاليف الزواج تأتي ضمن أبرز التحديات التي تواجه الشباب عند الإقدام على الزواج، الأمر الذي يستدعي تعزيز المبادرات الداعمة للزواج الميسر وإعادة التوازن إلى هذه المناسبة العظيمة.
وتمثل تجربة جائحة كورونا شاهدًا عمليًا على أثر التيسير في تشجيع الزواج. فقد سجلت المملكة خلال عام 2020، ورغم الظروف الاستثنائية للجائحة وما صاحبها من اختصار لمظاهر الأفراح وتقليل التكاليف، نحو 150,117 عقد زواج، بزيادة قدرها8.9 % مقارنة بعام 2019، وفق بيانات الهيئة العامة للإحصاء. وتبعث هذه التجربة برسالة واضحة مفادها أن التيسير ليس فكرة مثالية فحسب، بل خيار عملي يسهم في فتح أبواب الزواج أمام أعداد أكبر من الشباب والفتيات.
وليس أدل على قيمة التيسير في الزواج من هدي نبينا صلى الله عليه وسلم، فقد كان التيسير منهجًا نبويًا راسخًا في القول والعمل، وأبلغ ما يؤصل لهذه القيمة ويمنحها عمقها الشرعي والإنساني. فقد جاءت السنة النبوية حاثة على التيسير ورفع الحرج وربط البركة باليسر وقلة التكلف، كما قدم النبي صلى الله عليه وسلم نموذجًا عمليًا حين زوّج ابنته فاطمة رضي الله عنها من علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمهر يسير، ليؤكد أن قيمة الزواج لا تقاس بحجم التكاليف، بل بما يحققه من مودة وسكن واستقرار. ولم يكن التيسير في الزواج توجيهًا نظريًا فحسب، بل كان منهجًا عمليًا يؤكد أن بناء البيوت وتحصين الشباب أولى من إثقال البدايات بالتكاليف والمظاهر.
ولعل من أهم الخطوات العملية اليوم إطلاق مبادرة مجتمعية بعنوان »تيسير«، تهدف إلى تعزيز ثقافة الزواج الميسر، والحد من المغالاة في المهور وتكاليف الأفراح، وإبراز النماذج الإيجابية في المجتمع، وتكريم الأسر والوجهاء والقدوات الذين يتبنون هذا النهج. وتسعى المبادرة إلى تحويل التيسير من خيار فردي إلى ثقافة مجتمعية يتبناها الناس ويفتخرون بها.
كما أن المجتمع بحاجة إلى مبادرات شجاعة تتبنى ثقافة التيسير عمليًا، وتقدم نماذج ملهمة في الاعتدال بالمهور وتكاليف الأفراح، وتظهر ذلك بوصفه قيمة تستحق التقدير والاقتداء. فالمجتمعات تتغير حين تتحول القيم إلى نماذج يراها الناس ويقتدون بها، وحين يتقدم الشجعان ليقولوا إن بناء البيوت أولى من التنافس في تكاليفها.
كما أن للجهات المختصة، والإعلام، والمؤثرين، وأصحاب الرأي، وعقلاء المجتمع، والقدوات الاجتماعية دورًا محوريًا في بناء وعي عام جديد، يجعل من التيسير قيمة راسخة، ويعيد الاعتبار إلى جوهر الزواج بوصفه مشروع بناء واستقرار، لا مشروع مباهاة وتنافس.
وتتانغم الدعوة إلى تيسير الزواج والحد من المغالاة في المهور ومظاهر الأفراح مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 التي وضعت الإنسان والأسرة في قلب التنمية، وجعلت من جودة الحياة وتعزيز التماسك المجتمعي أحد مرتكزاتها الأساسية. فتيسير الزواج ليس قضية اجتماعية فحسب، بل أحد المسارات التي تسهم في تمكين الشباب، وتعزيز الاستقرار، ودعم التنمية المستدامة من خلال تهيئة بيئة أكثر استقرارًا وإنتاجية للأجيال القادمة.
وحين يصبح الزواج قضية وطن، فإن تيسيره يصبح مسؤولية مجتمعية مشتركة، تستدعي مراجعة بعض الممارسات الاجتماعية، وتوسيع المبادرات الداعمة للزواج الميسر، لأن الاستثمار الحقيقي لا يقاس بحجم ما ينفق في ليلة واحدة، بل بعدد الأحلام التي نعين على تحقيقها، وبمقدار الفرص التي نمنحها للشباب ليبدؤوا حياتهم بيسر وكرامة وأمل.
ولعل أعظم ما يمكن أن نقدمه للأجيال القادمة ليس أفراحًا أكثر تكلفة، بل ثقافة أكثر وعيًا، ومبادرات أكثر شجاعة، ومجتمعًا يجعل من تيسير الزواج قيمة يُحتفى بها، وقدوة يُقتدى بها، واستثمارًا في مستقبل الوطن.
المستشار الأسري د/ فيصل الأقصم
عضو جمعية الإرشاد الأسري والنفسي

5 comments