×

الدورات… بين سندان المهارة، ومطرقة التجارة


المقالات : علي المحنشي

يشهد سوق العمل اليوم تغيرات متسارعة، وأصبحت المنافسة على الوظائف أكثر شراسة من أي وقت مضى، الأمر الذي جعل كثيرًا من الشباب يتجهون إلى الدورات التدريبية أملاً في تطوير مهاراتهم وتعزيز فرصهم الوظيفية. ولا شك أن التدريب الجاد ركيزة من ركائز النجاح، وأن اكتساب المهارات ضرورة يفرضها الزمن حسب متطلبات الرؤية . غير أن هذا المجال، في بعض جوانبه، خرج عن مساره، حتى تحولت بعض الدورات من رسالة علمية إلى تجارة رائجة، ومن بناء للكفاءات إلى سباق لجمع الشهادات.

وأصبح بعض الشباب يعتقد أن الوظيفة لا تُنال إلا بكومة من الشهادات التدريبية، حتى غدت بعض الأسر تنفق كامل مدخراتها، وربما تستدين أحيانًا، أملاً في أن تكون كل دورة خطوة تقرب أبناءها من الوظيفة. ومع مرور الوقت، لم تعد بعض الدورات وسيلة لاكتساب المهارة، بل أصبحت في نظر كثيرين مفتاحًا إلزاميًا لسوق العمل، رغم أن الواقع يثبت أن النجاح لا يُصنع بالأوراق وحدها.

قال الله تعالى:

(وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)

فالآية الكريمة جعلت معيار التفاضل هو العمل والإنتاج، لا كثرة العناوين، ولا عدد الشهادات.

وقال ﷺ:

(إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه)

فالإتقان هو الشهادة التي لا تنتهي صلاحيتها، والمهارة الحقيقية هي التي يشهد لها الواقع قبل أن تشهد لها الأوراق.

ومن المفارقات التي يفرضها الواقع، أن تجد شابًا لم يحصل إلا على عدد قليل من الدورات، لا لضعف طموحه، بل لأن ظروف أسرته المادية لم تسمح له بالمزيد، ومع ذلك يمتلك عزيمة صادقة، وشغفًا بالعمل، واستعدادًا للتعلم، فيسبق بإصراره من يملك أضعاف ما لديه من الشهادات. وفي المقابل، قد تجد من أتيحت له الإمكانات، فحصل على عشرات الدورات، لكنه يفتقد روح المبادرة، ويعجز عن تحويل ما تعلمه إلى عمل وإنتاج. فالعبرة ليست بعدد الشهادات، وإنما بصدق الإرادة، وحسن الاداء، والقدرة على الإبداع.

ومن هنا يبرز سؤال يستحق أن يطرح: لماذا لا تتولى جهات العمل نفسها جزءًا من مسؤولية التأهيل؟ فبدلًا من أن تُحمَّل الأسر أعباءً مالية متزايدة في سبيل الحصول على عشرات الدورات، يمكن للجهات الموظفة أن تعلن عن فرصها، ثم تختار المرشحين وفق معايير أولية، وتُخضعهم بعد ذلك لبرامج تدريب وتأهيل مرتبطة بطبيعة الوظيفة نفسها. عندها ستظهر المهارة الحقيقية، ويتميز المجتهد من الباحث عن وظيفة لمجرد الراتب، وتستطيع الجهة أن تختار الأكفأ بناءً على الأداء الفعلي، لا على عدد الشهادات.

إن مثل هذا التوجه يحقق أكثر من غاية؛ فهو يخفف العبء عن الأسر، ويرفع جودة التأهيل، ويضمن لصاحب العمل موظفين تدربوا وفق احتياجاته الفعلية، كما يمنح أصحاب المواهب والقدرات فرصة عادلة لإثبات أنفسهم، مهما كانت ظروفهم المادية.

وهنا تقع على أصحاب العمل مسؤولية عظيمة، وهي ألا يجعلوا كثرة الدورات معيارًا وحيدًا للمفاضلة، بل ينظروا إلى المهارة، والعزيمة، والأمانة، والانضباط، وقابلية التعلم والتطور. فكم من موظف لم يحمل إلا قليلًا من الشهادات، لكنه حمل همّ العمل، فأخلص وأبدع حتى أصبح من أنجح العاملين. وكم من آخر ازدانت سيرته بعشرات الدورات، لكنه عجز عن ترجمة تلك الشهادات إلى إنجاز ملموس.

إننا بحاجة إلى إعادة التوازن بين قيمة التدريب وحقيقة الكفاءة، فلا تُرهق الأسر فوق طاقتها، ولا يُترك الشباب فريسة لوهم أن النجاح يُشترى برسوم الدورات. فالدورة النافعة هي التي تبني مهارة يحتاجها سوق العمل، لا التي تزيد عدد الشهادات في السيرة الذاتية.

إن الأوطان لا تنهض بكثرة الشهادات المعلقة على الجدران، وإنما تنهض بعقول مبدعة، وسواعد مخلصة، ونفوس تؤمن بأن النجاح يبدأ بالعزيمة، ويكتمل بالإتقان، ويزدهر بالعمل.

ختاماً… علينا ان نجعل الدورات جسورًا إلى المهارة، لا متاجر للأحلام، ولنجعل الشهادة وسيلة لا غاية، والكفاءة معيارًا لا شعارًا. وإذا أصبحت جهات العمل شريكًا في التأهيل والتدريب، فسيكون الاختيار أكثر عدلًا، والفرص أكثر تكافؤًا، وستنتقل المنافسة من جمع الشهادات إلى صناعة الكفاءات، ومن استنزاف الأسر إلى استثمار الفكر.

بقلم الإعلامي والكاتب : علي ابن ادريس المحنشي

تعليق واحد

comments user
علي بن حسين الكعبي

قلمك يكتب مداد الذهب .. ومنارة العلم … وإبداع الفكر …شكراً لك ي صديقي الألق .. فهنيئاً لنا وللصحيفة أنت

إرسال التعليق