×

زمن الطيبين… باقٍ بالأخيار، لا بالأعمار…


المقالات : علي بن إدريس المحنشي

كثيراً ما تتردد على الألسنة عبارة: «ذهب زمن الطيبين»، حتى أصبحت تُقال كلما خاب الظن، أو ضاع الوفاء، أو غلبت المصلحة على المبدأ، وكأن الطيبة كانت زمناً مضى ثم انقضى، ولن يعود.

لكن الحقيقة أن الزمن لا يحمل الأخلاق، وإنما يحمل الناس. فالخير لا يرحل برحيل الأعوام، وإنما يضعف حين يضعف أهله، ويقوى حين يتمسك به أصحابه. ولو تأملنا التاريخ لوجدنا أن في كل عصر رجالاً ونساءً حفظوا القيم، وأحيوا الفضائل، فكانوا منارات يهتدي بها الناس، مهما كثرت الفتن، وتعاظمت المغريات.

وقد دعا القرآن الكريم إلى الاعتبار بمن سبق، وعدم الاغترار بزينة الدنيا، فقال تعالى:
(أَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ)

فالأيام تتعاقب، والوجوه تتغير، والديار تبقى، أما الإنسان فراحل لا محالة، ولا يبقى منه إلا أثره، وما قدم من خير، وما غرس من قيم.

إن الطيبين لا يزالون بيننا، ولكنهم لا يصنعون الضجيج، ولا يطلبون الأضواء. تراهم في الوالد البار، والأم الصالحة، والجار الوفي، والمعلم المخلص، والموظف الأمين، والمتطوع الذي يعمل بصمت، والمصلح الذي يجمع القلوب ولا يفرقها.

أما أصحاب الشر، فغالباً ما يسبق صخبهم أثرهم، فتتجه إليهم الأنظار، حتى يظن الناس أن الخير قد اندثر، وهو في الحقيقة لا يزال حاضراً، لكنه أكثر هدوءاً وأعظم أثراً.

والطيبة ليست ضعفاً، وليست سذاجة تُستغل، بل هي قوة يضبطها العقل، ورحمة يقودها الوعي، وثبات على المبادئ مهما تبدلت الأحوال. ومن هنا عظم الإسلام حسن الخلق، فقال رسول الله ﷺ:
(إن من أحبكم إلي، وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقاً)

ومن أجمل ما قيل في باب الاعتبار:
(هذه قصورهم… وتلك قبورهم)
عبارة تختصر رحلة الحياة بأكملها. فقد عاش أناس قبلنا، وشيدوا البيوت، وتنافسوا على الدنيا والدينار، ثم رحلوا جميعاً، وبقيت الدور شاهدة عليهم، وسكنوا القبور منفردين، ولم يحملوا معهم إلا أعمالهم.

فإذا كانت تلك قصورهم، وهذه قبورهم، فأين نحن من الاستعداد لذلك اليوم؟ وهل سنترك بعد رحيلنا بيتاً يورث، أم أثراً يذكر، ودعوة صادقة تسبقنا إلى قبورنا؟

إن المشكلة ليست في أن زمن الطيبين انتهى، وإنما في أن بعض الناس توقفوا عن صناعة الطيبة، واستسلموا للأنانية وحب الذات والملذات، حتى أصبحوا يرددون العبارة بدل أن يكونوا هم برهاناً على بطلانها.

فالطيبة لا يحدها زمان، ولا يقيدها مكان، بل هي خلق راسخ، يبقى ما بقي أهل الوفاء والمروءة. وكلما وجد في المجتمع رجل صادق، أو امرأة صالحة، أو شاب يحمل القيم، عاد زمن الطيبين حياً بين الناس…

فاختر لنفسك أثراً يسبقك إلى قبرك، ويبقى لك بعد رحيلك.

ختاماً…
ليس السؤال: أين ذهب زمن الطيبين؟ بل السؤال الأجدر أن يُطرح: هل نحن من الطيبين الذين يفتقدنا الناس إذا غبنا؟

فالبيوت تبقى، وأصحابها يرحلون، والأموال تُورث، والمناصب تزول، ولا يبقى للإنسان إلا عمله الصالح، وذكره الحسن. فطوبى لمن عاش كريم الخلق، طيب الأثر، فإذا ذكر بعد رحيله، قيل: رحم الله فلاناً، كان وجوده خيراً، وأثره نوراً.

بقلم الإعلامي والكاتب : علي بن ادريس المحنشي

إرسال التعليق