×

زواج الأقارب.. بين الحقائق والاتهامات


المقالات : الشيخ – د / حسين الفيفي


في الآونة الأخيرة انتشرت بعض المنشورات التي تهاجم زواج الأقارب، بل وصل الأمر إلى السخرية منه وربطه بالتشوهات الخَلقية والأمراض الوراثية، مع استخدام صور معدلة بالذكاء الاصطناعي لإيصال رسائل مضللة لا تستند إلى الطرح العلمي المتوازن ولا إلى الإنصاف.
والحقيقة أن زواج الأقارب زواج مشروع أباحه الله تعالى، وعُرف عبر التاريخ الإسلامي والعربي، ولا يجوز الطعن فيه أو ازدراء من يختاره ما دام مستوفياً للشروط الشرعية والنظامية.
ويتميز زواج الأقارب بعدد من المزايا الاجتماعية والأسرية، من أبرزها تعزيز صلة الرحم، وتقوية الروابط العائلية، وتوفير بيئة أكثر استقراراً للزوجين بسبب المعرفة المسبقة بالأخلاق والعادات والطباع. كما يسهم غالباً في تسهيل التوافق الاجتماعي وتقليل كثير من العقبات التي قد تواجه الأزواج في بداية حياتهم الزوجية.
ومن مزاياه أيضاً وجود شبكة دعم أسري قريبة من الزوجين، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على استقرار الأسرة وتربية الأبناء، فضلاً عن اختصار الوقت والجهد في البحث عن شريك الحياة، وتوفر قدر أكبر من الطمأنينة والثقة بين العائلتين.
أما الادعاء بأن زواج الأقارب هو السبب الوحيد للأمراض الوراثية فليس دقيقاً؛ إذ إن الأمراض الوراثية قد تنتقل في زواج الأقارب وغير الأقارب على حد سواء، ولهذا جاءت أهمية الفحص الطبي قبل الزواج للجميع دون استثناء، للكشف عن بعض الأمراض الوراثية والمعدية والحد من انتقالها.
ولو كان زواج الأقارب مذموماً في ذاته لما أقره الشرع، فقد وقع بين عدد من الصحابة رضي الله عنهم، ومن أشهر الأمثلة زواج أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه من فاطمة الزهراء رضي الله عنها بنت رسول الله ﷺ، وهي ابنة عمه.
وفي المقابل، فإن الزواج من غير الأقارب له مزاياه أيضاً، ولا يوجد مانع شرعي أو عرفي منه، لكن الخطأ يكمن في تحويل الأمر إلى صراع بين خيارين مباحين، أو تصوير أحدهما على أنه عنوان للتخلف والجهل، والآخر عنوان للتقدم والتحضر.
إن القضية في حقيقتها ليست زواج أقارب أو غير أقارب، وإنما حسن الاختيار، وصلاح الدين والخلق، والتوافق بين الزوجين، والالتزام بالفحص الطبي والإجراءات الوقائية اللازمة.
لذلك ينبغي احترام خيارات الناس المشروعة، والابتعاد عن السخرية والتنمر ونشر المعلومات المضللة، فليس من الإنصاف احتقار من اختار زواج الأقارب، كما أنه ليس من العدل الانتقاص ممن اختار الزواج من غير الأقارب. وكلا الخيارين مشروع، ولكل أسرة ظروفها وقناعاتها التي تستحق الاحترام.

لا تسيئوا لما أحلّه الله .


بقلم فضيلة الشيخ الدكتور : حسين حسن الفيفي

تعليق واحد

comments user
يحي حسن المقرعي

أحسنتم وأجدتم يا دكتور حسين، فقد طرقتم موضوعًا مهمًا يحتاج إلى طرح علمي وشرعي متزن بعيدًا عن التهويل والسخرية والأحكام العامة. وقد وفقتم في بيان أن زواج الأقارب ليس سببًا وحيدًا للأمراض الوراثية كما يروّج البعض، فهذه الأمراض قد تظهر في زواج الأقارب وغير الأقارب على حد سواء، ولهذا لم يُهمل هذا الجانب طبيًا، بل شُرعت الفحوصات الطبية قبل الزواج للكشف عن بعض الأمراض الوراثية والمعدية والحد من انتقالها.

كما أن من الإنصاف التأكيد على أن الشريعة الإسلامية لم تحرم زواج الأقارب، بل أباحته وجرت عليه أحوال المسلمين عبر العصور، مع الأخذ بالأسباب الطبية والوقائية التي تحفظ صحة الأسرة والمجتمع. ومن هنا فإن تحويل هذه القضية إلى مادة للسخرية أو الانتقاص من خيارات الناس أمر لا يخدم الوعي ولا يقوم على أسس علمية رصينة.

شكرًا لكم على هذا الطرح الهادئ الذي جمع بين التأصيل الشرعي والحقائق العلمية، ودعا إلى احترام خيارات الآخرين ونبذ التنمر والتضليل، وهي رسالة يحتاجها المجتمع في زمن كثرت فيه الأحكام المتسرعة والمعلومات غير الدقيقة. بارك الله في علمكم ونفع بكم، وجعل ما تكتبونه في ميزان حسناتكم.

إرسال التعليق