تطهير النفس قبل تطويرها
المقالات : علي بن إدريس المحنشي
ليس كل تقدّم في خطى الحياة يُعدّ نماءً حقيقيًا، ولا كل مهارة يقتنيها المرء قادرة على ترميم ما تهدم في أعماقه. ففي غمرة الركض خلف تحسين الصور الذهنية وتلميع المظهر أمام الآخرين، قد نغفل عن إصلاح الحقيقة الكامنة في ذواتنا. إن النفس إذا لم تُنقَّ من شوائبها العميقة، فإنها ستحمل وهناً خفياً إلى كل إنجاز نصل إليه، فتشوهه بنقصها من حيث لا نحتسب.
في هذا العصر المتسارع، يندفع الكثيرون نحو (تطوير الذات) وتكديس الخبرات، واعتلاء منصات النجاح؛ توهماً بأن الكمال يُدرك بمجرد الإضافة المستمرة للشخصية. غير أن الحقيقة الأعمق تهمس في وجداننا ليس كل نقص يُعالج بالاستزادة، بل إن كثيراً من علل الروح تُشفى بالتنقية” والمراجعة الصادقة.
فكم من بليغٍ أتقن فنون القول وفي طوايا نفسه شتات من صدق النية، وكم من ناجحٍ في عين الناس وهو في صراعه الداخلي منهك. إن التطوير يصقل الواجهة ويجمل القشرة، أما التطهير فهو الذي يُصلح الجوهر؛ ولا نفع في واجهةٍ براقةٍ إذا كانت تخفي خلفها خرابة.
يقول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) فالتغيير الحق لا يبدأ من الظروف المحيطة، بل من مراجعة المكامن، وتقويم السلوك، وإعادة ترتيب القيم في هرم الأولويات. وفي الحديث الشريف، قال ﷺ: (الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الأَمَانِي) وهذا تأصيل جليّ بأن محاسبة النفس ليست ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة للنجاة والاتزان.
والحكمة الخالدة تقول: (من أصلح سريرته، أصلح الله علانيته) . فما استقر في سويداء القلب وتجذر فيه، لا بد أن يفيض أثره على الجوارح والسلوك، وما صلح في الباطن استقام في الظاهر. إن إهمال الذات وتركها مرتهنة لشوائبها، يؤدي إلى وهنٍ يتسع مع الأيام، حتى يُثقل الروح ويحرمها من تذوق طعم الإنجاز الحقيقي.
ختاماً..
ليس المقياس فيما تضعه في جعبتك من معارف، بل فيما تنزعه من قلبك من شوائب. فالتطهير يمنحك صفاء الرؤية في الطريق، والتطوير يمنحك سرعة السير؛ ولا خير في سرعةٍ فائقةٍ على طريق يلفه الظلام.
ابدأ بقلبك أولاً، فإذا استقام.. استقامت حياتك كلها.
بقلم الإعلامي والكاتب : علي ادريس المحنشي



إرسال التعليق